غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان


مجلس الإسلام والحياة يهتم هذا القسم بجميع مايتعلق بديننا الحنيف

إضافة رد
قديم 29-08-2009, 06:48 PM
  #1
المناضل السليماني
مشرف
المجلس الاسلامي
 الصورة الرمزية المناضل السليماني
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 3,909
المناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond repute
افتراضي غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان


غزوة فتح مكة :
نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله عز وجل بها رسوله ، و أقر عينه بها ، و جعلها علما ظاهراً على إعلاء كلمته و إكمال دينه و الاعتناء بنصرته . وذلك لما دخلت خزاعة ـ كما قدمنا ـ عام الحديبية في عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و دخلت بنو بكر في عقد قريش و ضربت المدة إلى عشر سنين ، أمن الناس بعضهم بعضاً ، و مضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر ، فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير ، فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية ، و أعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح ، و ساعدهم بعضهم بنفسه خفية ، و فرت خزاعة إلى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه ، فذكر قوم نوفل نوفلاً بالحرم ، و قالوا : اتق إلهك . فقال لا إله له اليوم ، و الله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم ؟ قلت : قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك ، و عفا الله عنه ، و حديثه مخرج في الصحيحين رضي الله عنه . و قتلوا من خزاعة رجلاً يقال له منبه ، و تحصنت خزاعة في دور مكة ، فدخلوا دار بديل بن ورقاء ، و د ار مولى لهم يقال له : رافع ، فانتفض عهد قريش بذلك .
فخر ج عمرو بن سالم الخزاعي و بديل بن ورقاء الخزاعي [ و قوم من خزاعة ] حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعلموه بما كان من قريش و استنصروه عليهم ، فأجابهم صلى الله عليه و سلم و بشرهم بالنصر ، و أنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكداً العقد و أنه سيرده بغير حاجة . فكان ذلك ، و ذلك أن قريشاً ندموا على ما كان منهم ، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم و بين محمد صلى الله عليه و سلم و يزيد في الأجل ، فخرج ، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة ، فكتمه بديل ما كان من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها ، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعته ، و قالت : إنك رجل مشرك نجس . فقال : و الله يا بنية لقد أصابك بعدي شر . ثم جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض عليه ما جاء له ، فلم يجبه صلى الله عليه و سلم بكلمة واحدة . ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فطلب منه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبى عليه ، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فأغلظ له ، و قال : أنا أفعل ذلك ؟ ! و الله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به . و جاء علياً رضي الله عنه فلم يفعل ، و طلب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس ، فقالت : ما بلغ بني ذلك ، وما يجيل أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يقوم هو فيجير بين الناس ، ففعل . و رجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه و منهم ، فقالوا : و الله ما زاد ـ يعنون علياً ـ أن لعب بك 0 ثم شرع رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجهاز إلى مكة ، و سأل الله عز وجل أن يعمي على قريش الأخبار ، فاستجاب له ربه تبارك وتعالى ، و لذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله صلى الله عليه و سلم من القدوم على قتالهم و بعث به مع امرأة ، و قد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه رحمه الله ، وقبل ذلك منه رسول الله صلى الله عليه و سلم و صدقه ، لأنه كان من أهل بدر : و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم علياً و الزبير و المقداد رضي الله عنهم ، فردوا تلك المرأة من روضة خاخ ، و أخذوا منها الكتاب و كان هذا من إعلام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه و سلم بذلك و من أعلام نبوته صلى الله عليه و سلم .
وخرج صلى الله عليه و سلم لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار و قبائل العرب ،و قد ألفت مزينة و كذا بنو سليم على المشهور رضي الله عنهم جميعهم . واستخلف صلى الله عليه و سلم على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين . و لقيه عمه العباس بذي الحليفة ، وقيل : بالجحفة فأسلم . ورجع معه صلى الله عليه و سلم ، وبعث ثقله إلى المدينة . و لما انتهى صلى الله عليه و سلم إلى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، و عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين ، فطردهما ، فشفعت فيهما أم سلمة ، و أبلغته عنهما ما رقته عليهما ، فقبلهما ، فأسلما أتم إسلام رضي الله عنهما ، بعد ما كانا أشد الناس عليه صلى الله عليه و سلم . و صام صلى الله عليه و سلم حتى بلغ ماء يقال له : الكديد ، بين عسفان و أمج من طريق مكة ، فأفطر بعد العصر على راحته ليراه الناس ، و أرخص للناس في الفطر ، ثم عزم عليهم في ذلك ، فانتهى صلى الله عليه و سلم حتى نزل بمر الظهران فبات به . و أما قريش ف عمى الله عليها الخبر ، إلا أنهم قد خافوا و توهموا من ذلك ، فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب ، و بديل بن ورقاء ، و حكيم بن حزام يتجسسون الخبر ، فلما رأوا النيران أنكروها ، فقال بديل : هي نار خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة أقل من ذلك . و ركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلتئذ ، و خرج من الجيش لعله يلقى أحداً ، فلما سمع أصواتهم عرفهم ، فقال : أبا حنظلة ! فعرفه أبو سفيان ، فقال : أبو الفضل ؟ قال نعم . قال ما وراءك ؟ قال ويحك .. هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم في الناس ، و اصباح قريش ! . . قال : فما الحيلة ؟ قال و الله لئن ظفر بك ليقتلنك ، و لكن اركب ورائي و أسلم . فركب وراءه و انطلق به ، فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون : هذا عم رسول الله صلى الله عليه و سلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما رآه قال : عدو الله ؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد . و يركض العباس البغلة ، و يشتد عمر رضي الله عنه في جريه ، وكان بطيئاً ، فسبقه العباس ، فأدخله على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وجاء عمر في أثره ، فاستأذن ر سول الله صلى الله عليه و سلم في ضرب عنقه ، فأجاره العباس مبادرة ، فتقاول هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فأمره صلى الله عليه و سلم أن يأتيه به غداً ، فلما أصبح أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فعرض عليه الإسلام فتلكأ قليلاً ، ثم زجره العباس فأسلم ، فقال العباس : يا رسول الله ! إن أبا سفيان يحب الشرف ، فقال صلى الله عليه و سلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، و من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن .
قال ابن حزم : هذا نص في أنها فتحت صلحاً لا عنوة . قلت : هذا أحد أقوال العلماء و هو الجديد من مذهب الشافعي . و استدل على ذلك أيضاً بأنها لم تخمس ولم تقسم . و الذين ذهبوا إلى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحواً من عشرين رجلاً ، و استدلوا بهذا اللفظ أيضاً : [ فهو آمن ] و المسألة يطول تحريرها ها هنا . و قد تناظر الشيخان في هذه المسألة ـ أعني تاج الدين الفزاري ، و أبا ز كريا النووي ـ و مسألة قسمة الغنائم . و الغرض أنه صلى الله عليه و سلم أصبح يومه ذلك سائراً إلى مكة ، و قد أمر صلى الله عليه و سلم العباس أن يوق ف أبا سفيان عند خطم الجبل ، لينظر إلى جنود الإسلام إذا مرت عليه . و قد جعل صلى الله عليه و سلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على المقدمة ، و خالد بن الوليد رضي الله عنه على الميمنة ، و الزبير بن العوام رضي الله عنه على الميسرة ، و رسول الله صلى الله عليه و سلم في القلب ، و كان أعطى الراية سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ـ و الحرمة هي الكعبة ـ فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة . فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى علياً ، و قيل : الزبير ، و هو الصحيح . و أمر صلى الله عليه وسلم الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة ، و أن تنصب رايته بالحجون ، و أمر خالداً أن يدخل من كدى من أسفل مكة ، و أمرهم بقتال من قاتلهم . و كان عكرمة بن أبي جهل ، و صفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ، قد جمعوا جمعاً بالخندمة ، فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم ، فقتل من المسلمين ثلاثة وهم: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر ، و حبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي ، و سلمة بن الم يلاء الجهني ، رضي الله عنهم . وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلاً ، و فر بقيتهم . و دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة و هو راكب على ناقته و على رأسه المغفر ، و رأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه عز و جل .
و قد أمن صلى الله عليه و سلم الناس إلا عبد العزى بن خطل ، و عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، و عكرمة بن أبي جهل ، و مقيس بن صبابة ، و الحويرث بن نقيذ ، و قينتين لابن خطل ، و هما فرتنا وصاحبتها ، و سارة مولاة لبني عبد المطلب ، فإنه صلى الله عليه و سلم أهدر دمائهم ،و أمر بقتلهم حيث وجدوا ، حتى و لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل ، و هو متعلق بالأستار ، و مقيس ابن صبابة ، والحويرث بن نقيذ ، و إحدى القينتين ، وآمن الباقون . و نزل صلى الله عليه و سلم مكة واغتسل في بيت أم هانئ و صلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ، فقيل إنها صلاة الضحى . وقيل : صلاة الفجر .
قال السهيلي : و قد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى ، إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد . و ليس كما قال ، بل يسلم من كل ركعتين كما رواه أبو داود .
و خرج صلى الله عليه و سلم إلى البيت فطاف به طواف قدوم ، و لم يسع ، و لم يكن معتمراً . ودعا بالمفتاح ، فدخل البيت و أمر بإلقاء الصور و محوها منه ، و أذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة ، ثم رد صلى الله عليه و سلم المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة . و أقرهم على السدانة . و كان الفتح لعشر بقين من رمضان . و استمر صلى الله عليه و سلم مفطراً بقية الشهر يصلي ركعتين ، و يأمر أهل مكة أن يتموا ، كما رواه النسائي بإسناد حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، و خطب صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله و لا تحل لأحد بعده ، و قد أحلت له ساعة من نهار ، و هي غير ساعته تلك حرام .
و بعث صلى الله عليه و سلم السرايا إلى من حول مكة من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام ، وكان في جملة تلك البعوث بعث خالد إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : صبأنا ، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فوداهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و تبرأ من صنيع خالد بهم . و كان أيضاً في تلك البعوث بعث خالد أيضاً إلى العزى ، و كان بيتاً تعظمه قريش و كنانة و جميع مضر ، فدمرها رضي الله عنه من إمام و شجاع . و كان عكرمة بن أبي جهل قد هرب إلى اليمن ، فلحقته امرأته وهي مسلمة و هي أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فردته بأمان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأسلم وحسن إسلامه ، و كذا صفوان بن أمية كان قد فر إلى اليمن ، فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرده ، وسيره صلى الله عليه و سلم أربعة أشهر ، فلم تمض حتى أسلم و حسن إسلامه رضي الله عنه .



معركة البويب
في السنة الثالثة عشر من الهجرة
معركة البويب هي إحدى المعارك التي دارت بين المسلمين والفرس وكانت مقدمات لمعركة القادسية .
وقد كانت هذه المعركة في رمضان من السنة الثالثة عشر من الهجرة النبوية الشريفة .
وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام .
فقد بعث أمراء الفرس جيشًا لهم بقيادة مهران لمحاربة المسلمين ، واكتمل صف المسلمين تحت إمرة المثنى بن حارثة ، فتوافوهم وإياهم بمكان يقال له " البويب " قريب من مكان الكوفة اليوم ، وبينهما الفرات قالوا : إما أن تعبروا إلينا ، أو نعبر إليكم ، فقال المسلمون : بل اعبروا إلينا فعبرت الفرس إليهم فتوافقوا ، وذلك في شهر رمضان .
فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم ، وعبأ الجيش وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين ، وقال المثنى لهم : إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيؤوا ، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا . فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول ، فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم . واقتتلوا قتالاً شديدًا ، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللاً فبعث إليهم رجلاً يقول : الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم : لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا . فلما رأي ذلك منهم ـ وهم بنو عجل ـ أعجب وضحك وبعث ـ إليهم يقول : يا معشر المسلمين عاداتكم ، انصروا الله ينصركم ، وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر ، فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره ، وشق صفوف الفرس حتى وصل إلى مهران وحوله بنات يروحن عليه بالمراوح ، وحمل المثنى على مَهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة .
قال محمد بن إسحاق : وحمل المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران قائد الفرس فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي ، وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً ، وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون ، فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة ، ومن بعد إلى الليل فيقال : إنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة، وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعامًا كثيرًا ، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ
وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضًا ، وذلت لهذه الموقعة رقاب الفرس ، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئًا عظيمًا لا يمكن حصره .
قال الأعور العبدي في هذه المعركة : -
هاجت لأعــورَ دارُ الــحى أحزانا واستبدلت بعد عبد القيس حسانا
وقد أرانا بها والشــمل مجتمـــع إذ بالنخيلــــة قتلى جــــند مهرانا
إذ كان سار المثني بالخيول لـهم فقتّل الزحـف من فــرس وجيلانا
سما لمهران والجيش الذي معـه حــتى أبـــادهم مثنــى ووحـــدانا
انظر البداية والنهاية 7/30




فتح عمورية على يد المعتصمسنة 223 هـ
" في هذه السنة أوقع ملك توفيل بن ميخائيل بأهل سلطنته من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة ، قتل فيها خلقًا كثيرًا من المسلمين ، وأسر ما لا يحصون كثرة ، وكان من جملة من أسر ألف امرأة من المسلمات ، ومثَّل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم قبحه الله .
ولما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جدًا وصرخ في قصره بالنفير ، ثم نهض من فوره وأمر بتعئبة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقة ، وثلثه لولده ، وثلثه لمواليه ، وخرج بالجيش إعانة للمسلمين فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وشمر راجعًا إلى بلاده وتفارط ولم يمكن الاستدراك فيه ، فقال للأمراء أي بلاد الروم أمنع ؟ فقالوا : عمورية، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام ، وهي عندهم أشرف من القسطنطينية " فعزم على فتحها .
تجهز المعتصم جهازًا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء ، وأخذ معه آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئًا لم يسمع بمثله ، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال وقدم المعتصم إليها صبيحة يوم الجمعة تحصينًا شديدًا وملؤوا أبراجها بالرجال والسلاح ، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدًا ذات سور تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له ، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين ، وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم ، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبنى بناءً ضعيفًا بلا أساس ، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع إنهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير ، فبادر أهل البلد فسدوه بقطع الخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حرة الحجر ، فلم تغن شيئًا وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ .
فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك ، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا الجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما من أنتما ؟ فقالا : من أصحاب فلان لأمير سموه من أمراء المسلمين ، فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب من " مناطس " نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار ، وأنه عَازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنًا في ذلك ما كان .
فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما ، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة ، فأسلما من فورهما ، فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع ، وأن يوقفا تحت حصن " مناطس " فينثر عليهما الدراهم والخلع ، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما ، ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة ، فضاقت الروم ذرعًا بذلك ، وألح عليهم المسلمون في الحصار ، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب ، ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها ، أعمل المجانيق في مقاومة السور وكان قد غنم في الطريق غنمًا كثيرًا جدًا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسًا ويجيء بملء جلده ترابًا فيطرحه في الخندق ، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقًا ممهدًا ، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك ، وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب ، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدَّة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة ، فبعث المعتصم من نادى في الناس : إنما ذلك سقوط السور، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا ، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيال والرجال إذا دخلوا ، وقوى الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرًا يحفظه ، فضعف ذلك الأمير ـ ( اسمه عند ابن جرير في تاريخه 5/241 ( وندو ) وتفسيره بالعربية " الثور " ) الذي هدمت ناحيته من السور ـ عن مقاومة ما يلقاه من الحصار فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع كل أحد من الروم أن ينجده وقالوا : لا نترك ما نحن موكلون بحفظه .
" قال ( وندوا ) إن الحرب عليّ وعلى أصحابي ، ولم يبق معي أحد إلا جرح ، فصيِّروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلاً وإلا افتضحتم وذهبت المدينة ، فأبوا أن يمدوه بأحد " ( تاريخ الطبري5/241) .
فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به ( ليطلب الأمان على الذرية ) فلما وصل إليه ، أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتله ، فركب المسلمون وتقدموا إلى الثلمة ، ولم يقدر الروم على دفع المسلمين بعد أن تكاثروا ودخلوا المدينة قهرًا ، وتتابع المسلمون إليها يكبرون وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وقد حشروهم في كنيسة هائلة ففتحوها قسرًا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم ، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب وهو مناطس في حصن منيع ، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه مناطس ، فناداه المنادي ويحك يا مناطس هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك فقالوا : ليس " بمناطس " هاهنا مرتين ، فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس : " هذا مناطس هذا مناطس " ، فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلع عليه الحسن الرومي ، فقال له : ويحك أنزل على حكم أمير المؤمنين ، فتمنع ثم نزل متقلدًا سيفًا فوضع السيف في عنقه ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشي إلى مضرب الخليفة مهانًا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل فأوثق هناك .
وأخذ المسلمون من عمورية أموالاً لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله ، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك ، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين " .
وقد كانت وقعة عمورية فتحًامن فتوح الإسلام الخالدة ، والتي يحمل ذكراها كل مسلم ويتمنى على الله أن يعيد مثلها ، بل أمثالها ، فقد كانت هذه المعركة نجدة لصرخة دوت من مسلمة قابلت نخوة في قلب قائد مسلم فاهتز لها ، وهز لها العالم ، فكم في زماننا من صرخات وصارخات ولكن صدق الشاعر :
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليـــتم
صادفت أسماعنا لكنـها لم تصادف نخوة المعتصم



معركة حارم
رمضان 559 هـ
سببها : أن الإفرنج قصدوا مصر لاحتلالها وفيها نائب نور الدين " أسد الدين شيركوه " وجيشه قليل ، إضافة إلى عدم تعاون حكام مصر في صد الإفرنج ، لذلك رأى نور الدين أن يقوم بحملة كبيرة يرغم فيها الإفرنج ويثنيهم عن غزو مصر، ففتح جبة في شمال بلاد الشام وقصد حصن حارم بعد أن استعد أتم استعداد ، وأرسل في طلب نجدات من الموصل والجزيرة وماردين ، كما جمع الإفرنج كل إمكاناتهم ليزجوا بها في المعركة ، وحضر كبراؤهم أمثال " بيمند " صاحب إنطاكية وصاحب طرابلس " وابن جوسلين " " والدوك " وهو مقدم كبير الروم ، والتقى الجمعان قرب حارم وهجم الفرنج على ميمنة المسلمين فانهزمت الميمنة ، وأبعدت وتبعها فرسان الإفرنج طمعًا في إفنائهم .
هنا أطبق القلب والميسرة على مشاة الإفرنج فأبادوهم ، ولما عاد الفرسان الذين فطنوا للحيلة وجدوا أن مشاتهم قد أبيدوا فأسقط في أيديهم وقاتلوا قتال يائس يحاول الإنسحاب ، وأطبق عليهم المسلمون من كل جانب فأبادوهم ، وسقط في الأسر الكثير ، منهم : صاحب أنطاكية وطرابلس ، ومقدم الروم ، وابن جوسلين .
وقد زاد عدد القتلى على عشرة آلاف ، وفتحت حارم وخرجت من قبضة الصليبيين للأبد .
( معارك إسلامية خالدة / )




معركة عين جالوت
عندما اجتاحت جحافل التتار مقر الخلافة الإسلامية في بغداد ، وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة للمرة الأولى في التاريخ (656هـ - 1256م ) ، بدأت أنظارهم تتجه إلى مصر للاستيلاء عليها .
وقد كانت الأوضاع في مصر مهيأة تمامًا لدخول التتار بسهولة ويسر نظرًا لاضطراب الحياة السياسية ، فقد مات الملك الصالح ، وقُتل ولده الملك المعظم ،وتولت شجرة الدر العرش ، ورغم حزمها وحسن تصريفها لشؤون المملكة إلا إنها اضطرت للزواج من الأمير عز الدين أيبك خوفاً من تزمر الأمراء والوجهاء لعدم رضاهم بتولي امرأة مقاليد الحكم ، ثم تنازلت لأيبك عن الحكم .
وما لبثت أن دبرت شجرة الدر لقتل زوجها لرغبته في الزواج عليها !! وتولى الحكم الملك المنصور علي بن علي بن عز الدين أيبك سنة ( 655 - 1257 هـ ) وكان عمره خمسة عشر عامًا . وهذه السن لم تكن تسمح له بمقابلة الخطر الذي يتهدد البلاد والعباد والمتمثل في التهديد التتري البربري لمصر .
ولذلك لم يجد سيف الدين قطز بُدًّا من خلع الملك الصغير فخلعه وتولى الملك (1259) وبدأ الاستعداد لملاقاة التتار.
لقد كانت مهمة قطزصعبة جدًا ، لأنه كان عليه أن يواجه الخطر الداخلي المتمثل بالارتباك والفوضى في نظام الحكم والصراع على السلطة ، وفي الوقت نفسه كان عليه أن يواجه الخطر الخارجي المتمثل بالغزو التتري الداهم المتحالف مع الصليبيين في الغرب والشرق معاً .
زحف التتار :
بعد أن استولى التتار على بغداد تقدمت قواتهم إلى بلاد الجزيرة فاستولوا على ( حران ) ، ( الرها ) و ( ديار بكر ) ثم استولوا على حلب ووصلوا إلى ( دمشق ) فدخلوها وغدروا بأهلها وفتكوا بهم ، ثم اضطر هولاكو فجأة إلى مغادرة سورية إلى الصين لتسوية النـزاع على العرش بين أخويه ( قوبيلاري) و (أريق بوكا ) بعد وفاة أخيهم الأكبر ( منكوقاآن ) .
وقبل مغادرة هولاكو سورية ، أرسل رسولاً من رجاله وبرفقته أربعون رجلاً من الأتباع إلى قطز ، يحملون إليه رسالة منه جاء فيها :
" من ملك الملوك شرقًا وغربًا القائد الأعظم ، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء ، يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم ، يتنعمون بأنعامه ، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك ، يعلم الملك قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال ، إنا نحن جند الله في أرضه ، خلقنا من سخطه ، وسلّطنا على من حل به غضبه ، فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر ، فاتعظوا بغيركم واسلموا لنا أمركم ، قبل أن ينكشف الغطاء ، فتندموا ويعود عليكم الخطأ ، فنحن ما نرحم من بكى ، ولا نرق لمن شكى ، وقد سمعتم أننا فتحنا البلاد ، وطهرنا الأرض من الفساد ، وقتلنا معظم العباد ، فعليكم بالهرب ، وعلينا الطلب ، فأي أرض تأويكم ، وأي طريق تنجيكم ، وأي بلاد تحميكم ؟ فما لكم من سيوفنا خلاص ، ولا من مهابتنا مناص ، فخيولنا سوابق ، وسهامنا خوارق ، وسيوفنا صواعق ، وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ، فالحصون عندنا لا تمنع ، والعساكر لقتالنا لا تنفع ، ودعاؤكم علينا لا يُسمع . فإنكم أكلتم الحرام ، ولا تعفون عند كلام ، وخنتم العهود والأيمان ، وفشا فيكم العقوق والعصيان ، فأبشروا بالمذلة والهوان ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . فمن طلب حربنا ندم ، ومن قصد أماننا سلم ، فإن أنتم لشرطنا وأمرنا أطعتم ، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن خالفتم هلكتم ، فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم ، فقد حذّر من أنذر . وقد ثبت عندكم أنا نحن الكفرة وقد ثبت عندنا أنكم المدبرة الفجرة ، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة . والأحكام المدبرة ، فكثيركم عندنا قليل ، وعزيزكم عندنا ذليل . فلا تطيلوا الخطاب ، وأسرعوا برد الجواب ، قبل أن تضرم الحرب نارها ، وترمي نحوكم شرارها ، فلا تجدون منا جاهاً ولا عزًا ، ولا كافياً ولا حرزًا ، وتدهون منا بأعظم داهية ، وتصبح بلادكم منكم خالية ، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم ، وأيقظناكم إذ حذّرناكم ، فما بقي لنا مقصد سواكم ، والسلام علينا وعليكم ، وعلى من أطاع الهدى ، وخشي عواقب الردى ، وأطاع الملك الأعلى
وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة الهجرية ( أوائل سنة 1260 ) .
فلما سمع قطر ما في هذا الكتاب ، جمع الأمراء ، واتفقوا على قتل رُسُل هولاكو ، فقبض عليهم واعتقلوا وأمر بإعدامهم ، فأُعدموا توسيطًا ، كل مجموعة منهم أمام باب من أبواب القاهرة ، وعُلقت رؤوسهم على باب ( زويلة ) .
لقد عقد قطز العزم على حرب التتار ، وكان قراره نهائيًا لا رجعة عنه ، إذا هو المسوغ الوحيد لاستيلائه على السلطة .
وتواترت المعلومات الموثوق بها عن زحف التتار باتجاه مصر ، كما علم المصريون باستيلاء التتار على سورية وفسلطين ، كما وصل القاهرة كمال الدين عمر بن العديم أحد العلماء الأعلام رسولاً من الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام يطلب من قطز النجدة على قتال التتار .
وجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يعتمد عليه من أمر التتار ، وأن يؤخذ من الناس ما يستعان به على جهادهم ، وحضر أصحاب الرأي في دار السلطنة بقلعة الجبل ، وحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، والقاضي بدر الدين السنجاوي قاضي الديار المصرية ، وأفاضوا الحديث ، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السلام ، وخلاصة ما قال : " إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام ، وجب على العالم قتالهم ، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم ، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء ، وتبيعوا ما لكم من الحوائض المذهبة والآلات النفيسة ، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه ، ويتساووا هم والعامة ، وأما أخذ الأموال من العامة ، مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة "فلا يجوز " .
وانفض المجلس على ذلك ، ولم يتكلم السلطان ، وهو الملك المنصور علي ابن الملك المُعز أيْبك ، لعدم معرفته بالأمور ولصغر سنه ، فلهج الناس بخلع السلطان وتولية قطز حتى يقوم بهذا الأمر المهم . فقد علم قطز أنه لا بد من خروجه من مصر على رأس قواته العسكرية لقتال التتار ، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ما يريد ، لأن الآراء مغلولة لصغر سن السلطان ، ولأن الكلمة مختلفة ، فجمع قطز الأمراء والعلماء من أصحاب الرأي ، وعرّفهم أن الملك المنصور هذا صبي لا يحسن التدبير في مثل هذا الوقت الصعب ، ولا بد من أن يقوم بأمر الملك رجل شهم يطيعه كل أحد ، وينتصب للجهاد في التتار ، فأجابه الجميع : ليس لها غيرك .
لقد كان الجواب على رسالة هولاكو : القتال ، ولا شيء غير القتال .وكان هذا القرار متفقًا عليه من الجميع قبل وصول وفد هولاكو ، وقبل وصول رسالته إلى القاهرة .ولم يكن إعدام الوفد إلا حافزًا جديدًا لقطز وقواته على القتال ، دون أن يتركوا الباب مفتوحًا لحل آخر غير القتال .
وهذا موقف لقطز ، في مثل هذه الظروف التي كانت تحيط به ، موقف يُحمد عليه ، لأنه انتزع آخر أمل من نفوس المتمردين والانهزاميين في احتمال رضوخ قطز لمطالب التتار ، فقال قطز قولته الحاسمة : " إن الرأي عندي هو أن نتوجه جميعًا إلى القتال ، فإذا ظفرنا فهو المراد ، وإلا فلن نكون مسلِّمين أمام الخلق " .
الحشد :
خرج قطز يوم الاثنين الخامس من شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة الهجرية ( 1260 م ) بجميع عسكر مصر ومن انضم إليهم من عساكر الشام ومن العرب والتركمان وغيرهم من قلعة الجبل في القاهرة ، يريد معسكر الصالحية .. معسكر مصر الكبير في شرق الدلتا .
وقبل ذلك ، وفي اليوم نفسه ، أحضر قطز رسل هولاكو وأعدمهم ، ليضع قواته المسلحة أمام الأمر الواقع : لا مفر من القتال .
ونودي في القاهرة والفسطاط وسائر أقاليم مصر بالخروج إلى الجهاد ، وتقدم قطز إلى جميع الولاة يحث الأجناد للخروج إلى القتال ، وسار حتى وصل إلى الصالحية ، وتكامل حشد قواته
فجمع الأمراء وكلمهم بالرحيل ، فأبوا كلهم عليه وامتنعوا عن الرحيل ، فقال لهم : "يا أمراء المسلمين ! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال ، وأنتم للغزاة كارهون ، وأنا متوجه ، فمن اختار الجهاد فليصحبني ، ومن لم يختر ذلك فيرجع إلى بيته .، فإن الله مطلع عليه ، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين .
وتكلم الأمراء الذين اختارهم و مؤيدين له في المسير ، فلم يسع البقية غير الموافقة
لقد جمع قطز قادته قبل المسير ، وشرح لهم خطورة الموقف ، وذكرهم بما وقع من التتار في البلاد التي غزوها من شنيع السفك والتخريب ،وما ينتظر مصر وأهلها من مصير مروِّع إذا انتصر التتار ، وحثهم وهو يبكي على بذل أرواحهم في سبيل إنقاذ الإسلام والمسلمين من هذا الخطر الداهم ، فضج القادة بالبكاء ، ووعدوا ألا يدخروا وسعًا في سبيل مقاتلة التتار ، وإنقاذ مصر والإسلام من شرهم .
ولكن ، لماذا خاف قادة قطز التتار ؟
كان هولاكو في خلق لا يحصيهم إلا الله ، ولم يكونوا من حين قدومهم على بلاد المسلمين سنة ست عشرة وستمائه هجرية (1219م ) يلقاهم عسكر إلا فلّوه ، وكانوا يقتلون الرجال ويسبون النساء ويستاقون الأسرى وينهبون الأموال ، لذلك آثر قادة قطز بعد إكمال حشد قوتهم حماية مصر لا غير ، لكثرة عدد التتار وإستيلائهم على معظم بلاد المسلمين ، لأن التتار لم يقصدوا إقليمًا إلا فتحوه ولا عسكراً إلا هزموه ، ولم يبق خارج حكمهم إلا مصر والحجاز واليمن ، وقد هرب جماعة من المغاربة الذي كانوا بمصر إلى المغرب ، لقد كانت المعنويات منهارة ، فلا عجب أن يبذل قطز كل جهده لرفع معنويات قادته ورجاله خاصة ، والشعب المصري عامة ، وأن يستحث القادرين على حمل السلاح بالجهاد بأرواحهم ، والقادرين على تقديم الأموال للجهاد بأموالهم ، وأن يحشد كل طاقاته المادية والمعنوية للحرب ، فلا يعلو صوت على صوت المعركة ، ولا يُقبل عذر من أحد غير قادر على الجهاد بماله وروحه ، وقد قدم قطز مثالاً شخصيًا رائعًا في الجهاد بماله وروحه في سبيل الله .
كما أن قطز صمم على لقاء التتار خارج مصر ، وألا ينتظرهم في مصر للدفاع عنها على الأرض المصرية ، حتى يجنب مصر ويلات الحرب أولاً ، ويرفع معنويات رجاله المصريين ثانياً ، ويوحي للتتار بأنه لا يخافهم فيؤثر ذلك على معنوياتهم ثالثاً ، ولأن المدافع لا ينتصر مطلقًا إلا في نطاق ضيق محدود بعكس المهاجم الذي يؤدي انتصاره إلى كارثة تحيق بعدوه رابعًا ، ولأن الهجوم أنجع وسائل الدفاع خامسًا وأخيراً .
إن تصميم قطز علىقبول المعركة خارج مصر ، كان قراراً عسكريًا فذًا .
المعركة :
وخرج قطز في الجحافل الشامية والمصرية، في شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وستمائة الهجرية (1260) ، وغادر معسكر الصالحية بجيشه ، ووصل مدينة (غزة ) والقلوب وجلة ، وكان في ( غزة ) جموع التتار بقيادة ( بيدر ) ، وكان بيدر هذا قد أخبر قائده ( كتبغا نوين ) الذي كان في سهل البقاع بالقرب من مدينة ( بعلبك ) بزحف جيش قطز ، فرد عليه : " توقف مكانك وانتظر " ، ولكن قطز داهم ( بيدر ) قبل وصول ( كتبغا نوين ) فاستعاد غزة من التتار ، وأقام بها يومًا واحدًا ، ثم غادرها شمالاً باتجاه التتار .
وكان ( كتبغا ) مقدم التتار على جيش هولاكو بلغه خروج قطز ، وكان في سهل البقاع ، وقد عقد مجلسًا استشاريًا واستشار ذوي الرأي في ذلك فمنهم من أشار بعدم لقاء جيش قطز في معركة ، والانتظار حتى يجيئه مدد من هولاكو ليقوي على مصاولة الجيش المصري ، ومعنى هذا مشاغلة جيش قطز بالقوات الميسرة لديه ريثما ترده النجدات التي تضمن له النصر ، ومنهم من أشار بغير ذلك -قبل المعركة - اعتمادًا على قوات التتار التي لا تقهر ، وهكذا تفرقت الآراء ، وكان رأي ( كتبغا نوين ) قبول المعركة ومواجهة جيش قطز ، فتوجه من فوره جنوباً باتجاه القوات المصرية .
وكان هذا أول الوهن : اختلاف الآراء وظهور رأي يحبذ الانسحاب ، ورأي يحبذ عدم الانسحاب وقتال قطز .
وبعث قطز طلائع قواته بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري لمناوشة التتار واختبار قواتهم ، واستحصال المعلومات المفصلة عن تنظيمهم وتسليحهم وقيادتهم ، فالتقى بيبرس بطلائع التتار في مكان يقع بين ( بيسان ) و ( نابلس ) يدعى : ( عين جالوت ) في ( الغور ) غور الأردن ، وشاغل التتار حتى وفاة قطز على رأس القوات الأصلية من جيشه .
في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك ، من سنة ثمان وخمسين وستمائه هجرية ( 6 أيلول - سبتمبر - 1260 ) نشب بين الجيشين المقاتلين معركة حاسمة ، وكان التتار يحتلون مرتفعات ( عين جالوت ) ، فاتقضوا على جيش قطز تطبيقاً لحرب الصاعقة التي دأب التتار على ممارستها في حروبهم ،تلك الحرب التي تعتمد على سرعة الحركة بالفرسان ، وكان القتال شديدًا لم يُر مثله ، حتى قتل من الجانبين جماعة كثيرة .
وتغلغل التتار عميقًا ، واخترقوا ميسرة قطز ، فانكسرت تلك الميسرة كسرة شنيعة ، ولكن قطز حمل بنفسه في طائفة من جنده ، وأسرع لنجدة الميسرة ، حتى استعادت مواقعها .
واستأنف قطز الهجوم المضاد بقوات ( القلب ) التي كانت بقيادته المباشرة ، وكان يتقدم جنوده وهو يصيح : " وا إسلاماه .. واإسلاماه …. " واقتحم قطز القتال ، وباشر بنفسه ، وأبلى في ذلك اليوم أعظم البلاء ،وكانت قوات ( القلب ) مؤلفة من المتطوعين المجاهدين ، من الذين خرجوا يطلبون الشهادة ، ويدافعون عن الإسلام بإيمان ، فكان قطز يشجع أصحابه ، ويحسِّن لهم الموت ، ويضرب لهم المثل بما يفعله من إقدام ويبديه من استبسال .
وكان قطز قد أخفى معظم قواته النظامية المؤلفة من المماليك في شعب التلال ، لتكون كمائن ، وبعد أن كرّ بالمجاهدين كرّة بعد كرّة حتى زعزع جناح التتار ، برز المماليك من كمائنهم وأداموا زخم الهجوم بشدة وعنف .
وكان قطز أمام جيشه يصرخ : " واإسلاماه.. واإسلاماه .. يا الله ! انصر عبدك قطز على التتار " ، وكان جيشه يتبعه مقتديًا بإقدامه وبسالته ، فقُتل فرس قطز من تحته ، وكاد يعرض نفسه للقتل لولا أن أسعفه أحد فرسانه ، فنزل له عن فرسه .
وسارع قطز إلى قيادة رجاله متغلغلاً في صفوف أعدائه ، حتى ارتبكت صفوف التتار ، وشاع أن قائدهم ( كتبغا نوين ) قد قُتل ، فولوا الأدبار لا يلوون على شيء .
وكان ( كتبغا نورين ) يضرب يمينًا وشمالاً غيرةً وحميةً ، وكان يكر عل المسلمين ، فرغّبه جماعة من اتباعه على الهرب ، ولكنه لم يستمع إليهم وقال : " لا مفر من الموت هنا ، فالموت مع العزة والشرف خير من الهرب مع الذل والهوان " .
ورغم أن جنوده تركوه وهربوا ، فقد ظل يقاتل حتى قُتل ، وفي رواية أخرى أن جواده كبا به ، فأسره المسلمون ، والرواية الأولى أصح .
وكانت هناك مزرعة للقصب بالقرب من ساحة القتال ، فاختفى فيها فوج من التتار ، فأمر قطز جنوده أن يضرموا النار في تلك المزرعة ، وأحرقوا التتار جميعًا
وبدأ المسلمون فوراً بمطاردة التتار ، كما طاردهم المسلمون الذين لم يكونوا من جيش قطز ، حتى دخل قطز دمشق في أواخر شهر رمضان المبارك ، فاستقبله أهلها بالابتهاج .
وامتدت المطاردة السريعة إلى قرب مدينة حلب ، فلما شعر التتار باقتراب المسلمين منهم ، تركوا ما كان بأيديهم من أسارى المسلمين ، ورموا أولادهم ، فتخطفهم الناس ، وقاسوا من البلاء ما يستحقونه .
الشهيد :
لم تمض أسابيع قلائل ، حتى طُهِّرت بلاد الشام كلها من فلول التتار ، فرتب قطز أمور البلاد ، واستناب على دمشق أحد رجاله ، ثم خرج من دمشق عائدًا إلى مصر ،إلى أن وصل إلى (القُصَيْر) ، وبقي بينه وبين الصالحية ، المعسكر الذي حشد فيه قواته قبل الحركة لقتال التتار مرحلة واحدة ، ورحلت قواته إلى جهة الصالحية ، فانقض عليه عدد من الأمراء فقتلوه على مقربة من خيمته ، وذلك يوم السبت السادس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة الهجرية ( تشرين الأول - أكتوبر 1260م ) ، ولم يمض يومان على قتله حتى حل بيبرس مكانه باسم الملك الظاهر .
دفن قطز في موضع قتله ، وكثر أسف الناس وحزنهم عليه ، وكان قبره يُقصد دائمًا للزيارة … وكانت سلطنة قطز سنة إلا يومًا واحدًا .وكان قطز بطلاً شجاعًا مقداماً حسن التدبير ، يرجع إلى دين وإسلام وخير ، كما ق
ال فيه الذهبي ، وله اليد حسن التدبير ، يرجع إلى دين وإسلام وخير ، كما قال فيه الذهبي ، وله اليد البيضاء في جهاد التتار ، فعوض الله شبابه بالجنة ورضي عنه .
لقد كان قطز صادقًا عزيز النفس ، كريم الأخلاق ، مجاهدًا من الطراز الأول ، لم يكن يوصف بكرم ولا شح ، بل كان متوسطأ في ذلك .
قُتل قاهر التتار مظلومًا ، فخسر روحه وربح الدنيا والآخرة ، وسجله التاريخ في أنصع صفحاته .
رضي الله عنه وأرضاه ، وجعله قدوة صالحة لقادة العرب والمسلمين ، فما أشبه غزو التتار بغزو الصهاينة ، وما أشبه دعم الصليبيين القدامى للتتار بدعم الصليبيين الجدد للصهاينة ، وما أحوجنا اليوم إلى مثله قائدًا يتخذ الهجوم مبدأ ولا يكتفي بالدفاع ، ويتخذ العمل منهجًا ولا يكتفي بالكلام ، ويقاتل العدو الصهيوني في الأرض المحتلة ، ولا ينتظر أن يقاتله في أرضه ، ويطلب الموت لتوهب له الحياة .
وكانت هذه المعركة هي قاصمة ظهر التتار ، وبداية أفول دولتهم ، وكان نصر عين جالوت فتحًا ادخره الله لهذا البطل قطز ولمن معه من المسلمين الصادقين ، رحم الله الجميع وجعلهم من الشهداء والصديقين ، ويسر الله لأمة الإسلام في زماننا قائدًا يقودها إلى عين جالوت العصر الحديث . آمين .




معركة مرج الصُّفَّر

سنة 702 هـ 2 رمضان 20 إبريل 1303م
يرى بعض المؤرخين أن السبب في سير هذه الحملة التي وقعت فيها معركة " شقحب " أو " مرج الصُّفَّر " كان رغبة قازان حفيد هولاكو في تحطيم سلطان المسلمين في مصر واسترداد الأرض المقدسة وتسليمها إلى النصارى ، وأن قازان كان يريد السير بنفسه على رأس تلك الحملة ، ولكنّ تهديد حدوده الشرقية أدى إلى أن ينيب عنه قطلوشاه الذي تعاون مع النصارى ـ ولا سيما أن الأرمن الذين كانوا يشكلون قوة كبيرة في جيش قطلوشاه ، كانوا قد استولوا على عدد من مدن المسلمين وقتلوا فيها ومثَّلوا ونهبوا وفعلوا الأفاعيل البالغة في الفظاعة والشناعة .
وكان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديدًا يملأ صدور الناس ويوهن قواهم .
وعمل العلماء على إشراك الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي في مواجهة هؤلاء الغزاة وقام شيخ الإسلام ابن تيمية بمهمة عظيمة جليلة في هذا المجال ، وجعل المرجفون يرددون : لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار ، وتصدى ابن تيمية والعلماء لهؤلاء المرجفين المثبطين حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتصدي للتتار مهما كان الحال .
واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدو وشجعوا أنفسهم ورعاياهم ، ونودي بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد ، وتوقدت الحماسة الشعبية وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند ، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف .
ثم عمل رحمه الله على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص ، وتوجه إلى المعسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة ما بين دمشق وحمص ، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو ، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس ، إنكم في هذه الكرة منصورون ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا ، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى : ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله )(الحج/60) .
وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تَفُتُّ في عضد المحاربين للتتار من نحو قولهم : كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام .. فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه .
فرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشبهة قائلاً :
هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية رضي الله عنهما ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما ، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم .
فانجلى الموقف وزالت الشبهة وقال ابن تيمية :
" إذا رأيتموني في ذلك الجانب ـ يريد جانب العدو ـ وعلى رأسي مصحف فاقتلوني " وخرج ابن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بدمشق وصحبته جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه .
وأراد السلطان الناصر أن يقف معه ابن تيمية تحت رايته في القتال ، فقال له ابن تيمية : السنة أن يقف تحت راية قومه ، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم ، وحرّض السلطان على القتال وبشره بالنصر .
وأفتى ابن تيمية الناس بالفطر مدة قتالهم ، وأفطر هو أيضًا ، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليقووا به على القتال أفضل من صيامهم .
وكان عدد الجيش المغولي خمسين ألف مقاتل ، وقيل إن عدده كان يصل إلى مائة ألف وكان فيه فرقتان الكرج ونصارى الأرمن .
وكانت المعركة في يوم السبت الثاني من رمضان في سهل شقحب ، الذي يشرف عليه جبل غباغب ، وكان السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء في القلب ، ومر السلطان والخليفة والقراء بين صفوف الجيش وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحض على الجهاد والاستشهاد وكان الخليفة يقول : دافعوا عن دينكم وعن حريمكم .
ووضعت الأحمال وراء الصفوف ، وأمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة .
والتحم القتال وثبت السلطان ابن قلاوون ثباتًا عظيمًا ، وأمر بجواده فقيدّ حتى لا يهرب ، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف وصدق الله فصدقه الله ، وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي ، وثمانية من الأمراء المقدمين معه .
واحتدمت المعركة ، وحمى ا****************س ، واستحر القتل ، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة جسيمة فقتل من قتل من الأمراء ، ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل الله عز وجل ، وثبت المسلمون أمام المغول وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وتغير وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين ، حتى أقبل الليل فتوقف القتال إلا قليلاً ، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغب ، وبقوا هناك طوال الليل ، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها ، وقد تبعهم الجنود المسملون وقتلوا منهم عددًا كبيرًا ، كما أنهم مرّوا بأرض موحلة وهلك كثيرون منهم فيها ، وقبض على بعضهم .
قال ابن كثير : " فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر ، فقتلوا منهم مالا يعلم عدده إلا الله عز وجل ، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقهم .
ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى " القريتين "( وهي بلدة على طريق المسافر بين بغداد ودمشق) يقتلون منهم ويأسرون ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور .. والذي عبر فيه هلك .. فساروا على جانبه إلى بغداد فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة .
وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر .
وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين ، ففرح الناس به ، ودعوا له ، وهنؤوه بما يسرّ الله على يديه من الخير .
وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة ، وزينت البلد ، وبقيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى الديار المصرية (البداية والنهاية 14/24-26) .
وكان فرح السلطان الناصر والمسلمين بهذه المعركة فرحًا كبيرًا ، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر يتقدم موكبه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى واستقبل استقبال الفاتحين .
دور ابن تيمية : زيادة على ما سبق من دور شيخ الإسلام ابن تيمية في حض الناس والأمراء وتحريضهم على القتال ، وبعث الحماسة في قلوبهم ، كان له أيضان في المعركة دور عظيم كما
يقول ابن عبد الهادي :
" قد أخبرني صاحبٌ أمين ، ذو دين متين ، وصدق لهجة ، معروف في الدولة ، قال : قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر وقد تراءى الجمعان : يا فلان ! أوقفني موقف الموت ، قال : فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم ، ثم قلت له : يا سيدي هذا موقف الموت ، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المتعقدة ، فدونك ما تريد .
قال : فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره ، وحرّك شفتيه طويلاً ، ثم انبعث وأقدم على القتال .
وأما أنا فخيّل إليّ أنه دعا عليهم ، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة .. ثم حال القتال بيننا والالتحام ، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر ، وانحاز التتار إلى جبل صغير ، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين في تلك الساعة .. وكان آخر النهار وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضًا على القتال ، وتخويفًا من الفرار .
قال ابن عبد الهادي " وظهر فيها من كرامات الشيخ ، وإجابة دعائه ، وعظيم جهاده ، وقوة إيمانه ، وشدة نصحه للإسلام ، وفرط شجاعته ، ونهاية كرمه ، وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويجوز الوصف " .





فتح بلغراد عاصمة المجر

سنة 927 هـ 25 رمضان
على يد السلطان العثماني
كان السلطان العثماني خليفة المسلمين يقوم بدوره في نشر الإسلام ، وفتح البلدان ، فأرسل إلى ملك المجر سفيرًا يخيره بين الإسلام أو الجزية أو الحرب .
فما كان من ملك المجر ( لويز الثاني ) إلا أن أمر بإعدام السفير ، مما أثار غضب السلطان سليمان ، فأمر بتجهيز الجيوش وجمع كل ما تتلطبه من الذخائر والمؤن ، وسار هو بنفسه في مقدمة الجيش ، وأرسل أحد مشاهير قواده ( واسمه أحمد باشا ) لمحاصرة مدينة " شابتس " الواقعة شمال بلغراد والتي تسمى اليوم سابوتيكا ، ففتحها يوم 2 شعبان سنة 927 هـ ( الموافق 8تموز - يوليو سنة 1521م ) ، ووصل إليها السلطان سليمان في اليوم التالي ، ثم قاد الجيوش التي كانت تقوم على حصار هذه المدينة لمساعدة وزيره ( بير محمد باشا ) الذي كان يحاصر مدينة بلغراد ، ويضيق الخناق عليها ، ودافع المجريون عن عاصمتهم دفاعًا شديدًا ، غير أن جند المسلمين تمكنوا من اقتحامها يوم 25 رمضان سنة 927 هـ ( 29 أغسطس سنة 1521م ) وأخلى الجنود المجريون قلعتها ، ودخلها السلطان ، وصلى الجمعة في إحدى كنائسها التي حُوِّلت فورًا إلى مسجد .
وصارت هذه المدينة التي كانت أمنع حصن للمجريين ضد تقدم القوات العثمانية ، أكبر مساعد لها على فتح ما وراء الدانوب من الأقاليم والبلدان .
وأعلن السلطان هذا الانتصار بالكتابة إلى جميع الولاة ، وإلى ملوك أوروبا ، ورئيس جمهورية البنادقة ، ثم عاد القسطنطينية مكللاً بالنصر والظفر على الأعداء ، وأرسل إليه قيصر الروس يهنئه بالفوز والظفر ، وكذلك فعل رئيسًا جمهوريتي البندقية وراجوزه
وقد تمكن المسلمون العثمانيون بفضل هذا الفتح من التقدم لفتح بلاد ما وراء نهر الدانوب .
( نداء الريان . د / سيد حسين )
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة المناضل السليماني ; 29-08-2009 الساعة 06:58 PM
المناضل السليماني غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 29-08-2009, 07:01 PM
  #2
المناضل السليماني
مشرف
المجلس الاسلامي
 الصورة الرمزية المناضل السليماني
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 3,909
المناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond reputeالمناضل السليماني has a reputation beyond repute
افتراضي رد : غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان

اود ان انوه هنا ان ماذكرت هي بعض الغزوات وليس الكل

زلم اذكر غزوة بدر لأني سأفردها باذن الله في خطبة مستقله في موقع الخطب
__________________

المناضل السليماني غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 29-08-2009, 07:42 PM
  #3
عوض مهدي آل سعد القحطاني
عضو متميز
 الصورة الرمزية عوض مهدي آل سعد القحطاني
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 919
عوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond reputeعوض مهدي آل سعد القحطاني has a reputation beyond repute
افتراضي رد : غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان

بيض الله وجهك أخي المناضل السليماني وجزاك الله خير على جهودك المميزة

تستاهل السمعة والموضوع يستحق التثبيت
عوض مهدي آل سعد القحطاني غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 29-08-2009, 08:02 PM
  #4
عايض الفهري ابوبندر
عضو ذهبي
 الصورة الرمزية عايض الفهري ابوبندر
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: الرياض
المشاركات: 3,724
عايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond reputeعايض الفهري ابوبندر has a reputation beyond repute
افتراضي رد : غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان

بيض الله وجهك أخي المناضل السليماني وجزاك الله خير على جهودك المميزة



لاهنت
تحياتي
__________________

عايض الفهري ابوبندر غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 30-08-2009, 06:06 AM
  #5
مشاري بن نملان الحبابي
مشرف
آخبار ومناسبات قحطان
والديار وقصص وسوالف من الماضي
 الصورة الرمزية مشاري بن نملان الحبابي
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 15,960
مشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond reputeمشاري بن نملان الحبابي has a reputation beyond repute
افتراضي رد : غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان

بيض الله وجهك يا السليماني ..

على هذه الجهود المباركة والطيبة ..

حبّذا لو جعلت غزوة بدر في موضوع منفصل ..

لكونها أول معركة فصل الله بها بين الحق والباطل ..

فهي حريّةٌ بموضوع يتكلم عن سياق المعركة ومسبباتها ونتائجها وما ترتب عليها ..

لاهنت يا الغالي ..
مشاري بن نملان الحبابي غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 30-08-2009, 06:27 AM
  #6
ابن كاتب
عضو
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 50
ابن كاتب is on a distinguished road
افتراضي رد : غزوات حدثت في شهر الانتصارات في رمضان

جزاك الله خير وشكرا لك ......... وكل عام وانتم بخير
ابن كاتب غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
؛؛؛اكبر موسوعة للابل في شبكة قحطان ؛؛؛ سعد الشواطي مجلس الباديه والرحلات 21 01-04-2009 11:01 AM
قصة الزير سالم كاملة.....؟ ابو سام المجلس الـــــعــــــــام 28 03-04-2008 11:47 PM
الشيخ عبدالرزاق عفيفي 1323هـ ــ 1415هـ أبوسالم مجلس الإسلام والحياة 11 23-05-2007 01:29 AM
مناسك الحج و العمرة اللبيب مجلس الإسلام والحياة 6 28-04-2007 02:39 PM


الساعة الآن 01:45 AM