تابع @qahtaan

المجلس الـــــعــــــــام للمواضيع التي ليس لها تصنيف معين

موضوع مغلق
قديم 19-03-2009, 07:28 PM
  #1
سعد ابوحيمد
..::قلم من ذهب::.
.:: روائـــــي ::.
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 224
سعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond repute
افتراضي بنت الأكابر

(( بنت الأكابر))

بقلم : سعد ابوحيمد


"رواية تدور حول التحولات الأجتماعية والثقافية"



صالح شاب في منتصف الثلاثينات عاد لتوه من دول الغرب بعد أن نهل من علوم الطب حيث بلغ درجة الدكتوراه في طب الأطفال .
ولأنه قد ابتعث على حساب الدولة فلا بد له أن يرد الجميل ويخدم في حيازتها لذا فقد جرى تعيينه في أحد المستشفيات الكبيرة بالرياض وباشر عمله بمهة واقتدار ولأن الجامعة في حاجة لمثل تخصصه فقد جرى التنسيق بين إدارة المستشفى والجامعة بأن يقوم الدكتور صالح بإعطاء ثلاث محاضرات كل أسبوع لطلاب جامعة الرياض ( الملك سعود ) بنين وبنات وبدأ الدكتور صالح برنامجه يوم السبت للطلبة والاثنين للطالبات .
وقد سعد الطلاب جدا بأسلوب الدكتور الحديث والموضوعي والذي يحتوي على معلومات حديثة ومبسطة .. أما الطالبات فنظام البلاد يقضي ألا يكون المحاضر مواجها للطالبات مباشرة بل هناك دائرة تلفزيونية مقفلة يقوم الدكتور من خلالها بإلقاء محاضراته إذ يراه الطالبات وهو لا يراهن وقد جرى تنظيم المحادثة مع الدكتور بواسطة ميكرفونات إذ وضع لكل طالبة رقماً معيناً وسماعة تستطيع أن تحادث الدكتور بعد أن تضغط رقماً ميعناً يخصها .
وتقوم سكرتارية الجامعة بتعيين الأرقام وتغييرها كل أسبوع دون ذكر الأسماء حفاظاً على الحيادية .. ألقى الدكتور محاضراته الأولى على الطالبات وبالطبع لم يحس الدكتور بردة فعل الطالبات مثلما أحس بذلك من قبل الطلبة ولم يكن يهمه ذلك فقط بل هو يريد أن تصل المعلومة ويجري هضمها .
أما الطالبات فكان استقبالهن للمحاضرة متباين فمنهن من وجدها جيدة ومنهن من مرت عليها المحاضرة مرورا عابرا كمادة علمية تستوجب الاستيعاب والفهم .
بعد مرور شهرين على ممارسة الدكتور إلقاء محاضراته ، أراد عمل استبيان أو استفهام ليلمس مدى ما أعطاه من معلومات لدى الطالبات والطلبة ، فقام بتوزيع عددا من الأسئلة أو الاستنباطات ليرى مدى استفادة الطلبة والطالبات من المحاضرات التي ألقاها ، وقد استدرك عند توزيعه هذه الأسئلة بقوله أنه ليس اختبارا وإنما هو نوع من الحث على المشاركة .
تسلم الطلبة والطالبات أوراق الأسئلة ، وقد اهتم معظم الطلبة والطالبات بذلك واجابوا اجابات متفاوتة حسب جهدهم واجتهادهم غير أن بعض الطالبات لم يجبن ولم يأخذن الأمر بجدية ، وقد لاحظ الدكتور ذلك ولفت نظره لأن عدم الإجابة يعني عدم الاهتمام ، وقد قام بحصر الطالبات اللاتي لم يجبن ووضع لهن بموجب الأرقام التي تدل عليهن على لوحة البيان عبارة تعني اللوم المؤدب ، حيث قال تمنيت لو أجاب حاملات الرقم ( ) والرقم ( ) وكانت بعض الطالبات قد تعودن عدم الجدية بما يطلبه المحاضرون .
كان الدكتور صالح ملتزما في سلوكه ومتزنا في حكمه ونظرته للآخرين لذا فهو يقدر كل من ينتهج هذا السلوك وكان يتحدث مع طلابه بكل هدوء وسكينة ولا يلامس خلقه الغرور أو الكبرياء يتعامل مع طلابه وكذلك طالباته وكأنهم إخوان أو أبناء له ، يقدر المجتهد والمجد ولا يحتقر أو يقسو على من لا جدية له ، يوجه النصح والإرشاد بكل ما لديه من عقيدة إيمانية وعلمية ، وكان الطلاب يتقبلون نصحه وإرشاده بكل إقبال وتفهم .
حينما اطلعت الطالبات على الملاحظة التي كتبها الدكتور على لوحة البيانات كان هناك تفاوت في المشاعر والأحاسيس فالطالبات اللاتي اجبن على الاستبيان شعرن بالراحة أما اللواتي لم يجبن فقد مستهن تلك الملاحظة بشيء من القلق .
حل الفصل الأول من الاختبارات ووضع الدكتور صالح أسئلة الامتحان المتعلقة بما مر من معلومات ولم يكن قاس أو متحد في أسئلته بل جعلها انسيابية وسهلة تكاد تشير إلى الإجابة ، وتسلم الإجابات بالأرقام لا بالأسماء بالنسبة للطالبات والطلاب أيضا.
وحلل الإجابات بكل أمانة وأعطى لكل ما يستحقه. هنا تظهر الفوارق العقلية والاجتهادية ، أعلنت النتائج ( والبطع ) لن تكون النتائج مرضية لكل الطلاب ، ولكن الثقة المترسخة لدى الطلاب بنزاهة الدكتور جعلتهم يتقبلون النتائج، فقط طالبة تحمل الرقم 19 لم ترضها النتيجة ، فقد كانت علاماتها متدنية بعض الشيء ، وحاق بها الغضب واحتجت ولامت الدكتور وربطت بين نتيجتها وعدم إجابتها على ذلك الاستبيان وكان احتجاجها وانفعالها أمام الطالبات فقط إذ لم يكن باستطاعتها فعل أي شيء ، فالدكتور تصرفه فوق الشبهات وقراراته لا رجعة فيها.
ولأن الرقم (19) سيمضي معنا إلى نهاية المطاف ، لذا فلابد لنا أن نذهب إلى السكرتارية بالجامعة ونترجم الرقم إلى حقيقة ونتعرف إلى من يحمله .
إنها مزينة مشعان التغلبي ، ها نحن الآن قد علمنا صاحبة الرقم (19) والدكتور صالح لا يعلم به ، لذا فإنه ماضٍ في مسيرته وسلوكه القويم الذي لا يميز أحدا إلا بتحصيله وتفوقه .
إن برنامج الدكتور صالح اليومي ملئ بالمشاغل ، فهناك دوامة في المستشفى ، وهناك عيادته في المساء ، ورسائله وأبحاثه ، ومتابعاته للتطورات العلمية التي يخصص لها بعض ساعات الليل ، وكانت أسعد ساعاته وأوقاته حين يلتقي بوالدته التي تنعم بلقائه وينعم هو بلقائها ، والدته التي تهيئ له كل ما يريحه من طعام ولباس ومهجع ، أما والده فقد كان مشغولا بالمناصب الحكومية التي أعطاها جل وقته.
له أخوة غادروا مقر الأسرة بعد أن أسسوا أسرا ، أما أخواته فقد تزوجن ولم يبق في بيت الأسرة غير والدته وأخته الصغرى وعاملة تقوم بالخدمة .
الدكتور صالح بالرغم من أنه قد تجاوز السادسة والثلاثين من عمره ، فإنه لم يتزوج بعد ، ذلك لأنه قد انصدم بصورة المرأة التي شاهدها في الغرب على مدى عقد من الزمن . فقد راعه الابتذال في الغرب والانغلاق الذي تعيش فيه المرأة في بلده فأصبح في متاهة من التفكير وصعب عليه الاختيار .
وكانت والدته تتحين كل مناسبة وتشير إلى أنها تود وتتمنى أن ترى لها أحفادا من ابنها الدكتور صالح . وكان يجيبها بهدوء ولطافة ويعدها بأنه سيفكر في هذا الموضوع ، لكن والدته تلح عليه وتقول : ـ يا ولدي ، قد بلغت السادسة والثلاثين وإخوانك قد تزوجوا وأبناؤهم دخلوا المدارس ، فيجيبها الدكتور صالح بقوله:
ـ والدتي الحنون ، إن الزواج قسمة ونصيب ، وأنا الآن مشغول في عملي الذي أعالج فيه أطفال المواطنين الذين أشعر كأنهم أولادي .
لكن والدته لم تقتنع ، وتتجرأ أحيانا وتذكر له بعض أسماء فتيات على قدر من الحسن والجمال ، ومن أسر محترمة ، فيرد عليها :
ـ والدتي العزيزة ، أثابك الله ، إن الجمال وحده لا يكفي وليس كل شيء ، هناك أمور أخرى قد لا تعرفينها.
ـ يا ولدي ، إنني في الخامسة والستين ، وكل الأمور أعرفها ولا يخفى علي شيء من أحوال الزواج ، المهم إنك تعزم وتتوكل على الله وخلنا نفرح بعرسك .
ـ يا والدتي أحسن الله إليك ، جيلنا في الحاضر يختلف عن جيلكم أنتم الأوائل .. أنتم عشتم ببساطة ونقاء وحياتكم سهلة ولم تطلكم حضارة العصر .
ـ يا ولدي يا صالح ، ما أدري وش تقول ، بس أبيك تزوج ولا تكثر علي الحكي .
شعر الدكتور أن والدته قد احتدت ، وأنها غير مستوعبة لما يقول ، فأراد أن يبسط لها الأمور وقال :
ـ يا والدتي أحسن الله إليك ، البنات اليوم متعلمات وعندهن أفكار وعلوم ما هيب عندكم يا لأولين ، البنت اليوم لها شروط ولها مطالب ولا عاد تسمع كلام أهلها إذا قالوا لها : زوجناك ( فلان ) تقول : فلان أبيه وفلان ما أبيه ..
ـ من هي اللي ما تبي أكبر دكتور في المملكة وأبوه وأمه من أطيب الناس ؟
ـ يا والدتي ، في الماضي كنتم تعيشون في قرية ، وأهلها يعرف بعضهم بعض : البنت تعرف الشاب والشاب يعرف البنت ، والطيب معروف والردي معروف ، أما اليوم الناس كثرو ، ولا عاد أحد يعرف أحد ، وصار مدارس وجامعات وآلات كثيرة مثل : الراديو والتلفزيون وغيره من العلوم التي خلت الناس يختلفون .
ـ طيب يا ولدي ، وش تقصد ؟ يعني إنك منتب متزوج ؟
ـ لا يا والدتي أحسن الله إليك ، الزواج خطوة لا بد منها .
ـ طيب متى يا ولدي ؟ بعد ما أموت ؟
ـ لا يا والدتي ، لك طولة العمر ، وسيكون ذلك قريبا قريبا إن شاء الله .
ـ شوف يا ولدي ، بنت زيد ابن ناصر توها متخرجة من الجامعة ، وأهلها طيبين وفيهم خير ، وش رأيك أروح لهم ؟
ـ يا والدتي أحسن الله إليك ، أنت لك نظرة وأنا لي نظرة ، إن الزوجة التي أود اختيارها لابد أن أراها وأجلس معها مدة طويلة ، أفهمها وتفهمني ، أعرف عقلها وتفكيرها ، كيف تدير بيتها ؟ كيف تربي الأولاد ؟
ـ يا ولدي ، كيف يكون هذا . هذا ما يجوز ، كيف تعيش معها بدون زواج ؟
ـ سامحك الله يا والدتي ، أنا لا أقصد الاختلاء بها ، أريد فقط أن أقابلها مع
أحد محارمها ونجلس جلسات طويلة نتحدث ، ويعرف كل منا الآخر ، هذا ما عنيته.
وراحت أم صالح تفكر : كيف يكون وكيف تجد عائلة تقبل مثل هذا الطلب .
وندع أم صالح تبحث عن طلب الدكتور وهي غير مقتنعة به ، ونعود للدكتور صالح وهو يمارس إلقاء محاضراته على طلبة وطالبات طب الأطفال ، وقبل نهاية السنة أو قبل أن يضع الدكتور أسئلة الاختبار ، فكرت مزينة أن تفعل شيئا ، ذلك أنها ما زالت تعتقد بأن الدكتور قد غمطها حقها من حيث الدرجات ، هي تستطيع أن نتحدث إلى الدكتور بالميكرفون ولكنها تخشى أن تنفعل أو حتى ترتبك لو تحدثت إليه بالسماعة .
فكرت مزنية أن تكتب إليه رسالة مقتضية تشير فيها إلى مكانتها الاجتماعية وتكشف له عن اسمها ورقمها ، وتشير كذلك إلى موضوع العلامات المتدنية ، ولكن كيف توصل إليه الرسالة ؟ وهي لا تعرف عنوانه ولا صندوق بريده ، فخطرت لها فكرة : أن لكل أستاذ في الجامعة صندوق بريد مكتوبا عليه اسمه ، ويوجد خارج مكتبه .
حررت الرسالة وبعثتها مع سائقها ، ليضعها في صندوق الدكتور .
اطلع الدكتور على الرسالة ، لكنه لم يعرها اهتماما ، وكتب ثانية ، وثالثة ، ورابعة، وكان في الرابعة شيء من الحدة واللوم والاتهام بالغرور والتكبر ، وعندما وصل الأمر إلى المساس بسلوكه وخلقه ، أراد أن يضع حدا لهذا التمادي ، فرفع السماعة وضغط على الرقم (19) وقال:تسلمت الأربع،أتمنى أن تكون الطالبة(19) أكثر تهذيباً، ثم أغلق الخط.
واتقدت النار في أعصاب مزينة . كيف يهينها الدكتور بهذا الشكل .
وانزوت في إحدى الزوايا وراحت تبكي بحرقة ، وقد لا حظتها صديقتها فاطمة حين انصرفت وهي في حالة عصبية ، فتتبعتها ، ودهشت فاطمة حين وجدت صديقتها مزينة بهذه الحالة .
فاطمة لم تكن تعرف أن مزينة قد كتبت للدكتور ، لذا فقد راحت فاطمة تناشد صديقتها مزينة بأن تهدأ وتخبرها ما سبب هذا البكاء .
لم يهن على مزينة أن تتنازل عن كبريائها وتخبر صديقتها بما لحقها من إهانة الدكتور لها ، غير أن فاطمة ، بفطنتها وذكائها ، قد تصورت سبب المشكلة ، وهي لا شك تدور حول العلامات وربما ملاحظات الدكتور.
أخذت فاطمة صديقتها مزينة إلى الحديقة ، وساعدتها على غسل وجهها ، وناولتها بعض المناديل لتجفف الماء ، ثم جلسنا على أحد المقاعد التي تنتشر في الحديقة حتى بدأ الهدوء يعود إلى مزينة فبادرتها فاطمة :
ـ خير يا مزينة ، عسى ما فيه مشكلة قد سببت لك تلك الحالة .
ـ وقررت مزينة أن تشرك صديقتها وتفصح لها عن سبب استيائها ، فلعلها تخفف عنها ألم الصدمة التي منيت بها .
ـ اسمعي يا أختي فاطمة ، نعم ، إنني اعتبرك أختا وصديقة ، لذا فإنني سأستعين بك على مشكلتي .
وردت فاطمة :
ـ نعم يا مزينة ، إنني أشعر بنفس الشعور بأنك أخت وصديقة .
ـ اسمعي يا أختي ، منذ أن جاء هذا الدكتور وأنا متهيبة منه لا سيما في أسلوبه الصارم الذي يتخذه ولايتنازل عنه ، فأنت تذكرين حين وضع لنا تلك الأسئلة الاستبيانية ، التي ـ لسوء الحظ ـ لم اهتم بها ولم أجب عليها ، وتذكرين أنه كتب على لوحة البيانات ملاحظة تعني اللوم المؤدب . من حينها شعرت أن بيني وبين هذا الدكتور نزالاً ، وقد تأكد لي هذا النزال من علامات نهاية السنة .
ـ يا مزينة لا تحملين الأمور أكثر مما تعني . إن الدكتور لا يعرفك ولا يقصد الإضرار بك وأنت تعلمين بالنظام الذي يطبق في الكلية ، لذا أرجو أن تنزعي عنك تلك الأحاسيس الداكنة ، وأن تهتمي باستيعاب المحاضرات ، فهي سلسة وسهلة .
ـ ماذا يا فاطمة ؟ أراك تدافعين عن الدكتور .
ـ لا يا مزينة ، إن " صديقك من صدقك لا من صدقك " إن الدكتور كما أعتقد يود ويرغب ، بل يتمنى أن تثمر جهوده ، وأن يستوعب طلابه المعلومات التي يلقيها ، لأن ذلك شرف له حين ينجح في رفع مستوى طلابه .
ـ أختي فاطمة ، أكاد أقتنع بما تقولين ولكن … ؟

ولكن ماذا ؟
ـ يا أختي ، لقد تصرفت تصرفا ربما فيه تسرع أو فيه عدم روية .
ـ ماذا فعلت ؟
ـ لقد كتبت له كتابا لمحت فيه عن مكانتي الاجتماعية ، كما كشفت له عن اسمي ، لكنه لم يعبأ بالرسالة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة .. أما الرابعة فقد أغلظت له فيها القول ، ويظهر أن صبره قد نفذ فقام بالضغط على الرقم (19) وقال : أتمنى لو صاحبة رقم (19) أكثر تهذيبا . وأغلق الاتصال. تصوري يا فاطمة أنني غير مهذبة تلك هي الحزازة التي انغمست في صدري .
ـ نعم ، لقد تسرعت ، وقد أقول : أخطأت .
صديقتي فاطمة ماذا ترين ؟ إنني أعيش في هم وقلق يضغط على أنفاسي .
ـ لا عليك صديقتي ، فالعبارة التي تأثرت بها ليست قاسية كما تتصورين ، بل إنها لا تخلو من المجاملة والتهذيب ، فرغم أنك قد مسست خلقه بقولك : مغرور متكبر فقد أجابك بعبارة هادئة ولبقة ، ولو فكرت بها لوجدت أنها لا تمسك ولا تسيء لك.
ـ لا تمسني وهو يقول : أتمنى أن تكوني مهذبة .
ـ لا تحرفي العبارة يا مزينة ، فهو لم يقل أتمنى أن تكوني مهذبة ، بل قال : أتمنى أن تكوني أكثر تهذيبا ، ويعني ذلك أن لديك شيئا من التهذيب ، وهو يتمنى أن يكون تهذيبك أكثر .
ـ لا أدري يا فاطمة ، هل تقصدين ـ بتحليلك هذا ـ التهوين على ، أم إنك تدافعين عن الدكتور ؟
ـ لا ما أقوله هو الحقيقة والواقع ، وأن عليك ان تتجاوزي هذا الوهم وأن تنصرفي للاهتمام بتحصيلك .
انصرفت مزينة مع صديقتها فاطمة عائدة إلى منزلها ، وراح ذهنها يحلل ويفسر ويراجع ما قالته صديقتها فاطمة .
وحصل تضارب في خاطرها : فجانب يميل إلى الأخذ بأقوال فاطمة وواقعيتها ، وجانب آخر تسوده العزة والاعتداد بالنفس والمكانة الاجتماعية وعدم الاستسلام للواقع.
في منزلها ، لا حظت والدة مزينة شيئا من السرحان والاكتئاب وسألتها :
ـ مزينة ، أرك غير طبيعية .
ـ أبدا والدتي .. هل لا حظت شيئا على سلوكي أو مظهري يا أمي ؟
ـ نعم أرى شيئا من السرحان والانطواء .. إذ لم تكوني كعادتك : تمرحين وتمزحين . فما هو السبب يا ابنتي ؟
ـ لا شيء يا والدتي ، فقط المحاضرات شاقة وطويلة ، وقد جاء للجامعة دكتور جديد، ومحاضراته صعبة ، وتحتاج إلى المراجعة والاهتمام والمذاكرة ، فهو يسألنا دائما ، ويطلب الإجابة من الجميع ، والتي لا تجيب ينقدها ويلومها .
ـ معه حق يا ابنتي ، فلولا حرصه عليكم وعلى مصلحتكم ما كان ليطلب منكم الإجابة عن الأسئلة .
ـ حتى أنت يا أمي تدافعين عن الدكتور .
ـ لماذا ؟ عسى ألا يكون قد أغضبك هذا الدكتور يا مزينة ؟
ـ يغضبني ، من يستطيع أن يغضبني وأنا بنت الأكابر .
ـ لا يا ابنتي . الغرور تراه هلاكا وآفة لأخلاق الناس ، وأنصحك يا ابنتي بأن لا تأخذك العزة بالإثم .
ـ يا أمي ، الدكتور شديد وشايف حالة ويحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة ، مثلا : طرح علينا أسئلة والإجابة عنها ليست ضرورية ، ولم أجب مع بعض الطالبات ، فكتب الدكتور على لوحة البيانات عبارة يلوم فيها الطالبات اللاتي لم يجبن .
ـ يا أمي ، الدكتور شديد وشايف حالة ويحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة ،مثلا : طرح علينا أسئلة والإجابة عنها ليست ضرورية . ولم أجب مع بعض الطالبات ، فكتب الدكتور على لوحة البيانات عبارة يلوم فيها الطالبات اللاتي لم يجبن .
ـ يا ابنتي معه حق .. لماذا لم تجيبي ؟
ـ يا أمي ، هذه أسئلة ليست اختبارا ولا عليها علامات .
ـ يا ابنتي ، إن الدكتور أعرف منكن ، فلو لم تكن الإجابة ضرورية لما طلبت منكن الإجابة .
وفي الجامعة ، وبينما الدكتور يلقي إحدى محاضراته ، أرادت مزينة الاحتكاك به ، وضغطت على زر الاستفهام ، وسألت الدكتور عن بعض العبارات التي ( إدعت ) أنها غامضة ، فأجابها الدكتور بقوله : إن المحاضرة واضحة وبها تحليل لكل المعلومات ، وإذا أرادت الطالبة الاستزادة فإن مكتبة الجامعة مليئة بالمراجع ، ولكن الإجابة لم تقنع مزينة وقالت :
ـ أنت صاحب المادة يادكتور ونحن المتلقين ، أليس من الواجب أن تزيد من الإيضاح؟ شعر الدكتور أن مزينة ( وهو قد عرفها بعد أن كتبت له ) تريد استفزازه واشعاله فرد عليها بقوله :
ـ آمل أن تترك لي الطالبة المحترمة الفرصة لأستطيع إجابة سواها من الطالبات ثم أغلق الاتصال .
أن مزينة فعلا تقصد استفزاز الدكتور وتريد افتعال اشكال معه تريد إثارة اعصابه ظنا منها أنها بذلك ترد عليه شيئا من مواقفه التي تتصور أنه يقصد الإساءة لها ، غير أنها لم تنجح ولكنها لم تيأس .
انتهت المحاضرة والتقت مزينة بصديقتها وراحتا تتناقشان في موضوع المحاضرة ، وأخبرت مزينة صديقتها فاطمة بما حدث بينهما وبين الدكتورة أثناء المحاضرة ، فلامتها صديقتها وقالت في شئ من الحدة :
ـ ماذا تريدين من الدكتور . .. إنه إنسان عادل ومنصف وقدير .
ـ الله الله يا فاطمة ما هذا الإطراء للدكتور ؟
ـ إنها الحقيقة يا مزينة فدعك من المكابرة والتحدي .
ـ لا يا فاطمة سوف أمضي في ملاحقته وامتحان صلابته وثباته ، أما محاضراته فسوف أنكب على حفظها ودراستها حتى لا أترك له فرصة ليحاسبني .
ـ إن هذا هو بيت القصيد يا مزينة .. نعم الاجتهاد وستجدين صدق قولي بأن الدكتور سيقدر لك ذلك .
فاطمة صديقة حميمة لمزينة وهي تعرف ما فعلته وتفعله من تحرش واحتكاك بالدكتور، وفكرت أن تخدم صديقتها وتزيل بعض الأثر مما فعلته بالدكتور عن طريق السماعة ، وهو بالطبع لا يعرفها ولا يعرف اسمها وقالت :
ـ ياسعادة الددكتور إنني إحدى طالباتك وإنني نيابة عن زميلاتي الطالبات نقدم لك شكرنا وتقديرنا على جودة المعلومات التي تزودنا بها ونشكر لك أيضا تبسيط تلك المعلومات وحرصك على إفادتنا بها ، فأجاب الجكتور :
ـ العفو لا شكر على واجب وهذه مهمتنا وتلك رسالتنا .
ـ سيادة الدكتور أستأذنك لذكر شأن خاص وربما يكون عاما .
ـ لا بأس تحدثي عما تريدين .
ـ دكتور لا يخلو الأمر أن طالبة ( ما ) من الطالبات قد يصدر عنها تصرف غير مناسب وغير مقصود ، والذي نخشاه أن يمس أو يخدش تقديرنا واحترامنا لك ، لذا فإنني أتمنى أن تكون كما أنت يا دكتور كبيرا وساميا وأن تتجاوز عن أي تصرف غير ملائم .
ـ إنني أفهمك يا ابنتي وافهم ما تقصدين .. وإن من أساسيات خلقي ومهنتي التجاوز فلا تثريب على من يحاول المساس بالمسيرة الحسنة ، وأشكر فيك هذه الأخلاق .
ولكن مزينة كما أخبرت صديقتها وتوعدت بأن تلاحق الدكتور قامت بتحرير رسالة أخرى دون أن تخبر صديقتها ـ ضمنتها شيئا من الغرور والتعالي والزهو .. قالت في الرسالة : سيادة الدكتور صالح سليمان الشامي .
السلام عليكم وبعد …
لم يسبق لي أن كتبت لإنسان ( أقصد رجلا ) غيرك وهذه رسالتي الأولى لرجل اكشف له بها عن اسمي واسم عائلتي بوضوح.. وما دعاني ودفعني للكتابة أمور منها أنني مضطرة لأن أنال من خلالك العنصر المهم للحياة بعد الماء والهواء وهو العلم ومنها أنني لم أتعود القسوة أو المساس بكرامتي ومشاعري ومنها أنك ربما لا تقدر مكانتي الاجتماعية حيث أنني أنتمي لأسرة عربية عريقة .. ومنها شعوري أنه ربما يغريك أو يدفعك ما تحمله من درجات علمية أن تتعالى على الآخرين ويصيبك الغرور ، ومنها.. ومنها.. ما لا أريد ذكره ، وأنا إذ أكتب لك لا أقصد طلب الرحمة أو التجاوز عن تقصيري ، فأنا واثقة من نفسي وجهدي التحصيلي .. ولكنني فقط أريد أن أرسم لك شخصي واصف لك موقعي فلقد وهبني الله مجموعة من المزايا التي حرم منها الكثير وبلغت مكانة اجتماعية لم يبلغها الكثير أيضا ، لذا فإنني أود أن أنال مكانتي لديك وأن تضعني في المكان الذي استحقه ، والسلام . مزينة مشعان التغلبي .
وصلت الرسالة إلى الدكتور وتعجب بل دهش مما لدى هذه الفتاة من الغرور والتعالي .. وفكر أن يتجاهل الرسالة ، لكنه عاد وقرر أن يرد عليها .. بغية تهذيب أفكارها وأن يحاول هزيمة الغرور لديها وأن يبصرها بما يتوجب عليها من سلوك إنساني وعقلي .. فكتب لها ما يلي :ـ
ابنتي الطالبة مزينة مشعان التغلبي المحترمة .
السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد ..
إذا كان من العرف أو المتبع ألا يتبادل الأستاذ الجامعي الرسائل مع الطالب الذي يتلقى العلم علي يديه .. وخاصة إذا كان من الجنس الآخر .. إذا كان ذلك هو العرف فإنني بالرغم من ذلك العرف قد أجزت لنفسي أن أكسر أو أخرج على هذا العرف ، وذلك لداع أو سبب رأيت أن من واجبي مواجته والتصدي له بالمعالجة والتحليل والنصح والإرشاد .. والتوعية الأدبية والثقافية .. وذلك لأنني اعتبر أن هذه الوسيلة جزء لا يتجزء من رسالتي العلمية والثقافية والأخلاقية .. لذا فإنني أرجو من الله أن يهيئ لي التوفيق لما أريد أن ألقيه عليك من توجيهات علمية وعقلية وأدبية وأخلاقية .. مستخلصة ومستمدة من خبراتي وممارساتي ودراساتي التي صرفت عليها الكثير من رصيدك العمري والتي ربما أجدها أيسر لي من وجودها لديك .. لأن رصيدي العمري لا زال أو لم يصرف منه الكثير والذي أرجو أن تصرفيه في الحصول على كل ما فيه خيرك وفائدتك من العلوم والثقافة..وإنني استغفر الله وأرجو ألا يصل بي قولي هذا إلى الغرور والكبرياء الذي أمقتهما ( والذين أيضا وصمتني بهما ) مع تنازلي ومسامحتي لك عن ذلك .
ابنتي الطالبة مزينة .. أرجو أن تعلمي وتثقي وتصدقي أن ما يسير سلوكي هو إيماني بالله أولا وثانيا خلقي وعلمي الذي يتخذ العدالة والإنصاف ديدنا له .. وبناء عليه فقد قرأت رسالتك ـ والتي يشوبها انفعال الشباب ـ قرأتها بهدوء بالرغم من شدتها ومساسها بخلقي وقد مرت على مشاعري مر الكرام ولم تؤثر أوتغير سلوكي.. ولا بأس من أن أعرض أو أوضح لك شيئا من منهجي وسيرتي في الحياة مع الرد على بعض المفاهيم التي تحمليها والتي لا أرضى لك السير عليها أو المضي فيها .
إن منهجي في التعامل مع المجتمع والجميع ينحصر أولا وقبل كل شيئ في تقديري واحترامي للإنسان .. الإنسان المطلق كائن من كان .. ولكنه الإنسان الذي يحمل القيم والأخلاق ، وحبذا لو أن لديه قدرا وافرا من العلوم بشتى أنواعها المهنية والعلمية والمهاراتية لأن هذا الإنسان هو المرشح لأن يخدم أمته ووطنه .. أما المكانة الإجتماعية ( الموروثة ) التي أشرت إليها فتلك حالة أتجنب الخوض فيها . ولا أعتبرها مقياسا بمعنى أنه لا يشفع أب ـ مهما علا شأنه ـ لابنه الذي فشل في التحصيل .. أو عزف او استهان واستهتر بالعلم ..
لذا ابنتي أوصيك بالجد والاجتهاد والحرص على التحصيل .. فتلك هي عوامل النجاح .. وتلك هي الحالة التي ترفع من قيمة الإنسان الاجتماعية والعلمية . كما أتمنى عليك التحلي بأخلاق الإسلام الذي تدينين به والذي أيضا ينهي عن التكبر والغرور .. ذلك أن الغرور يعتبر آفة تذهب بالأخلاق وتدمر السلوك وأن المكانة الإجتماعية التي تطمحين لاحتلالها عدى المكانة الاجتماعية التي أنت بها الآن ـ تلك المكانة أنت . وأنت فقط من يضع نفسه بها وذلك حين تتصالحين مع الواقع ومع المجتمع الذي تعيشين به وتسيري جنبا إلى جنب مع الصفوف التي تسير وتكافح في سبيل العلم والتحصيل .. وتلك لعمري هي المكانة الأسمى والأرقى والأفضل أرجو لك التوفيق والنجاح . د . صالح .
تسلمت مزينة الرسالة وأصابها خليط من المشاعر المتضاربة فهي منتشية لأنها استطاعت استدراج الدكتور لأن يكتب إليها .. وهذه حالة نادرة وقد لامس ذلك شيئا من إرادتها وهدفها ، ولكنها من ناحية أخرى وجدت خطابا عقليا يسلط الضوء على كبريائها وغرورها ويوصي بالنهي والحد من الاندفاع في التعالي .
مضى يومان أوثلاثة وهي لا تمل من قراءة الرسالة حتى استوعبت وفهمت ما وراء السطور ، وعندما تقابلت مع صديقتها فاطمة لاحظت فاطمة شيئا من الهدوء الذي يخالطه السرحان .. لم ترد فاطمة أن تكون البادئة بالحديث كعادتها وتطلعت مزينة إلى فاطمة مستغربة عدم بدايتها بالحديث .. وتجاهلت فاطمة نظراتها تلك ولاح على شفتي مزينة شبه ابتسامه ربما تعني شيئا .. وزاد فضول فاطمة وعجز ذهنها عن تحليل وتفسير هذه الابتسامة ولم تطق فاطمة الانتظار وقالت :
ـ ماذا ورائك يا مزينة أراك على شفى انفراج فالهدوء يبدو على سماتك وشبه راحة تظهر على وجهك .
ـ نعم يا صديقتي فأنا اليوم في حالة انقلاب فكري وعقلي .
ـ كل شيء محتمل يا مزينة فأنت صاحبة المزاج المتقلب.
ـ لا لا تقولي ذلك يا فاطمة فأنا بالفعل قد تخليت عن المزاج الانفعالي أو المتقلب كما تدعينه فقد عزمت على أن انتهج العقلانية والهدوء الفكري .
ـ ما الذي حدث يا مزينة هل نزلت عليك من السماء السكينة أم رأيت مناما غير مسلكك؟.
ـ أرجو ألا تهزئي ولا تسخري مني يا صديقتي وسوف أخبرك بما حدث .
ـ لقد تلقيت قبل ثلاثة أيام خطابا من الدكتور صالح ردا على رسالة عنيفة الأسلوب كنت قد أرسلتها له ، وهذا الخطاب قلب تفكيري رأسا على عقب وجعلني أندم وألوم نفسي على ما بدر مني من تصرف انفعالي وغير سليم .
ـ ما شاء الله . إذاً فقد استطاع الدكتور صالح أن يعالج سلوكك عفوا أقصد مزاجك فحمدا لله .
شيء من ذلك يا فاطمة ، لذلك سوف أبدأ معه بداية تختلف اختلافا كليا عما كان في الماضي .
ـ تعنين بأنك ستواصلين الاتصال والحوار معه وكما ذكرت بأسلوب مختلف وأرجو لك التوفيق وأوصيك بعدم الانزلاق نحو المشاكسة أو التحاور الجاف .
اطمئني يا صديقتي العزيزة .
وراحت مزينة تبحث في ذهنها كيف تبدأ وفي أي مجال ستناقش الدكتور حوله ، إنها تشعر بالهيبة كمن يحاول الوصول إلى قمة جبل وهو لا يملك أجنحة سوف أحاول ـ تحدث نفسها ـ أن أبدأ معه بداية هادئة اعترف له بقيمته العلمية والخلقية والإنسانية ، واستمد حواري معه ـ إن حدث ـ من سياق المواضيع التي سترد في الحوار .. ولكن هل سيقبل الحوار ؟ وما هو مبرر الحوار مع طالبة من ضمن عشرات الطالبات ؟ أمر فيه صعوبة .. ولجأت إلى صديقتها فاطمة وراحتا تفكران كيف وما هي الوسيلة التي يمكن اتخاذها ليجري الحوار ؟
إن لفاطمة ذهن متقد ولديها حلول لكل العقبات ،لذا فقد خطر ببالها فكرة عرضتها على مزينة وهي أن يجري تحرير طلب ويقدم إلى إدارة الكية يتضمن اقتراحا بأن يقوم الدكتور صالح بإلقاء محاضرة طبية علمية ثقافية على طالبات الكلية .. وقد قبلت الكلية الاقتراح وعرضته على الدكتور ، ولأن الدكتور يحبذ زيادة الفائدة العلمية للطالبات فقد قبل هو أيضا واقترح أن يكون عنوان المحاضرة ( المنتجات الحديثة في خدمة طب الأطفال ) .. وتحدد وقت المحاضرة وأوكلت الكلية للطالبة فاطمة إدارة الندوة وحل موعد المحاضرة ، وقد حضر عدد كبير من الطالبات من جميع مستوياتها الدراسية وافتتحت الندوة فاطمة بقولها :
اليوم أخواتي الطالبات نجني ثمرة من ثمار زرعت أصولها دولتنا الرشيدة وتولت جامعتنا العريقة ـ جامعة الملك سعود ـ العناية بتلك الأصول وحرصت على أن تهيئ لها كل الإمكانات والأسباب التي تجعلها بل جعلتها حرية بأن تكون صرحا علميا بارزا ولعل المناسبة التي نحن بصددها الآن هي إحدى الثمار التي يجنيها طلبة وطالبات بلادنا .. فنحن اليوم نتشرف بلقاء رمز من الرموز العلمية والثقافية التي حرصت جامعتنا أن تحتويها وتفخر بوجودها لتكون ركيزة من ركائزها العلمية ، نحن نلتقي اليوم برجل بل إنسان نذر نفسه لخدمة وطنه ومواطنيه وكرس فكره وجهوده لينهل من العلوم أرقاما وأغزرها .. نحن نلتقي اليوم بالدكتور صالح سليمان الشامي حامل شهادة الدكتورة في طب الأطفال مضاف إليها الخبرات والدورات العلمية التي لا يألوا جهدا في متابعتها والسعي اللاستزادة من جديدها وتطورها لأنه ممن يؤمنون باستمرارية تحديث المعلومات مسترشدا بالمثل العربي ( اطلب العلم من المهد إلى اللحد ) .
الدكتور صالح مواطن سعودي ولد بإحدى قرى نجد ودرس الابتدائية والمتوسطة في قريته أما الثانوية فقد درسها بالرياض وقد تخرج بتفوق الأمر الذي أهله لبعثة على حساب الدولة لدراسة الطب لأن درجاته العلمية أهلته لذلك وبعد تخرجه عاد وعمل بمستشفى الملك بالرياض ، وبعد سنتين بعثته الدولة مرة أخرى لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه وليتخصص في طب الأطفال .. وبعد إنهاء دراساته العليا عاد ليملأ فراغا كانت البلاد تعاني منه وتسلم مهمته الإنسانية بكل عزم وإقبال واخلاص بل واقتدار.. ولأن الوطنية تسري في دمه فقد استجاب لرغبة الجامعة ( جامعة الملك سعود) التي كانت بحاجة إلى ثمل تخصصه وقد وافق أن يعطيها نصيبا من علمه وخبرته وذلك بعد أن جرى التنسيق بين إدارة المستشفى والجامعة .. ووفقه الله وأدى الواجبين معا ولا يزال .
ولعلنا نحن طالبات وطلاب كلية الطب قد نالتنا وشملتنا منفعة الدكتور صالح فها هو قد شرفنا بحضوره عندما طلبنا منه ذلك .. تفضل بالحضور ليمنحنا دفقا من بحر علومه وثقافته .. فأهلا بك ومرحبا يادكتور .
وقد شعر الدكتور بعد سماعة تلك المقدمة البليغة بشيء من الخجل والتواضع لكثرة الثناء وبدأ بالقول .
ـ الواقع أنني أشعر بالامتنان لجميع طالباتي وطلابي .. وأخص بالشكر مديرة الندوة التي اسبغت على شخصي صفات قد لا استحقها ورفعت من قدري الأمر الذي أخشى منه على تواضعي فأنا لست إلا مواطن كرس جهده لخدمة وطنه ومواطنيه ، ثم بدأ الدكتور بإلقاء محاضرته بتفاصيلها العلمية والفنية .. الخ .
بعد نهاية المحاضرة والنقاش حولها ، استأذنت فاطمة من الدكتور بأن تتحول الندوة إلى حوار أدبي وثقافي ، وقد استجاب الدكتور وبدأ الحوار بالطبع كانت المحاضرة يجري إلقائها من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة وبدأ الحوار بسؤال من مزينة والدكتور لا يعرف من وجه السؤال .
ـ دكتور ما الذي جعلك تختار تخصص طب الأطفال ؟
ـ ابتسم الدكتور وقال : سؤال جيد ، ان اختياري لهذا التخصص مبني على اهتمامي بالإنسان ذلك أن الإنسان هو أرقى الموجودات على وجه الأرض ومن البديهي أن يتم الاهتمام به وبسلامته ، وكما أن أي بناء يراد له البقاء سليما فإنه لابد من وضع أساسات قوية وسليمة له ـ معذرة على التشبيه ـ والإنسان كذلك فالطفل هو الأساس للإنسان فإذا نشأ سليما ونقيا من الأمراض والمعوقات فإن ذلك هو الهدف لكل وطن وأمه ، لذا فإن الاهتمام بالطفل يكون بعد ساعات من ولادته بل وحتى وهو في بطن أمه . سؤال آخر .
ـ دكتور نستشف من أسلوبك حين تعالج شأنا فإنك تريد أن يكون كاملا ، والكمال لله وحده ..
إن الله يأمرنا بالاجتهاد وبذل الطاقة الذهنية والجسدية وما ينتج بعد ذلك يكون حصيلة مقبولة والفارق هو القدرات العقلية الموهوبة .
ـ دكتور من الملامح التي تركز عليها أن الإنسان لديك معلومات ومعارف وتحصيل وبلا حدود ، فماذا يتبقى بعد ذلك لشئون الحياة الأخرى .؟
ـ إن العلم والمعلومات هي التي تبني وتدير الحياة وتخدم البشر ، لذا فإن العلم فرضية حتمية .. أما من عزف أو اخفق في تحصيل العلم فإن عليه أن يرضى بالمعيشة الأدنى.
ـ دكتور صحيح بأن العلم هو صاحب القيادة ولكن القيادة يلزمها جنود يقومون بالأعمال الميكانيكية المكملة للعلم ؟
ـ صحيح ولكن من المؤكد أنه لا يوجد شعب أو أمه جميع أفرادها متعلمين ولا بد أن يكون هناك الكثير من المتخلفين ، لذا فإن الطاقة الإنسانية ستكون متوفرة مضاف إليها الطاقات العلمية .
ـ دكتور من انطباعنا عن صفاتك الرزانة والصلابة ، فما هي مقومات تلك الصفات ؟
ـ للوهلة الأولى هاتان الصفتان تبدوان غير ذات معنى فالحجارة والصخر الصلب لهما تلك الصفات ، أما الرزانة فقد تأتي صفة لبعض المواد الثقيلة .
ـ دكتور ذلك مصطلح درج العامة على استعماله للدلالة على التميز .
ـ العامة ليست دائما على صواب .
ـ دكتور لماذا تعتلي تلا وأنت تمشي .
ـ البناء الذي اسرفت في وضع أساسه قد نمى وكبر وهكذا يخيل للآخرين أنني أعتلي تلا.
ـ دكتور عشت في الغرب أكثر من عقد من الزمن نود أن نعرف هل بالإمكان وضع ملامح أو مقارنة بين المرأة الغربية والمرأة العربية .
ـ ذلك موضوع شائك ومعقد ويلزمه شرح طويل غير أنني سوف أذكر بعض العناوين ، إن المرأة الغربية قد انسلخت عن طبيعتها وفقدت وظيفتها وفقدت أنوثتها أيضا . أما المرأة العربية فهناك سياج يحفظها وهو الدين وهناك العادات وتقاليد تحيط بها وتصونها وهي لا شك قد بدأت تأخذ نصيبها من العلم ولكن الطريق أمامها لا زال طويلا ، وإن أخشى ما أخشاه أن تهب عليها ريح الأعداء وترسل عليها بعض الملامح الشائهة .
ـ دكتور والشباب ماذا تقول عنه وخاصة العربي السعودي .
إنه يخيفني بل ويحزنني رؤيتي لبعض السلوكيات التي لا أطلقها ولا اعممها ولكنها موجودة .. فقد انغمس جانب كبير من الشباب في الترف وشاب سلوكهم الكسل والاتكالية .. وهبطت نسبة الثقافة والاطلاع لدى الكثيرين منهم .
فما هو العلاج يا دكتور ؟
ـ نعم ما هو العلاج إن المرض حين يقع ويبادر صاحب الشأن بالإحاطة به فإنه يمكن التغلب عليه في وقت قصير ، أما إذا ترك المرض ليعبث ويعبث بالجسم فإن علاجه قد يبدو صعبا وإن كان غير مستحيل ، وشبابنا قد انساق جانب منهم وراء عجلة الاستغراب وظنوا أن من حافظ على سيماه وتقاليده ظنوه متخلفا .
ـ دكتور لا بد من علاج .. لا بد من المبادرة قبل فوات الآوان .
ـ لابد من علاج لابد من وضع الأمر تحت الاهتمام .. إن لدينا وصفة فيها حماية وبها وقاية ، لدينا هوية سماوية لدينا عناية بعثها الله لنا وحمانا بها حين كنا نتمسك بها تلك هي عقيدتنا الإسلامية .
ـ ما تقوله يا دكتور صحيح ولكن ألا ترى أن أسلوب التبليغ أو إيصال المعلومة الدينية قد تغير وتنازعته أساليب متضاربة ، بعضها يبلغ بتوتر وعصبية وإجمال غير واضح وبعضها قام بالتبليغ وهو لا يحسن معرفة ما يبلغ به أو عنه .
ـ صحيح أن تلك هي الإشكالية .. إن لدينا دستور عظيم فلو فهمناه وطبقناه .. لكنا قد وفقنا وفزنا ألم يرد في القرآن الكريم ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) صدق الله العظيم . هل توجد عبارات أبلغ وأهدأ وأصوب من هذه العبارات .. إن أسلوب الزجر والخطابة التي كان آباؤنا يتقبلونها ، قد طرأ عليها ظروف وأحوال تقضي بأن يتبدل ذلك الأسلوب .. لأن المفاهيم قد تغيرت وأساليب التبليغ قد تكاثرت وتعددت ومنها ما هو غزو وهدم لمعتقداتنا لذا فلا بد من أن يتطور أسلوب التبليغ .
ـ دكتور يقال كلما زاد علم الإنسان زادت معاناته وزاد حمله ما ردك على ذلك ؟
ـ صحيح وإلى حد ما فليس كل المتعلمين يشعرون بذلك الشعور أما البعض الذين تنالهم تلك الصفة لا شك يحسون ويشعرون بالمسئولية إذا لم تحقق أحلامهم وما يتمنون أن تكون عليه بلدانهم وشعوبهم من تطور وتقدم ، نعم إن المثقف هو الذي يحس أكثر بما تعانيه بلاده وأمته .
ـ دكتور سؤال شخصي ونعتذر ونتقبل الاعتذار عن الإجابة .. للحياة الإنسانية والاجتماعية شبه قانون أو سنة متبعة تنطلق منه طبيعة البقاء والاستمرار للإنسان هل ترى أن كل إنسان مجبر أن يمر به أو يلتزم بتنفيذه .
ـ أفهم الملامح خلف هذا السؤال ولا حرج أن أجيب عليه من زاوية رؤيتي .. أقر واعترف بأن تلك سنة بشرية وطبيعة إنسانية يلتزم بها غالبية البشر إذ هي كما ذكرت وسيلة البقاء والاستمرار ولكن ريما يحدث ظرف أو سبب يكون له تأثير على التوقيت والزمن مثال ذلك : الجندي الذي عليه التزام وطني ويحارب في الجبهة للدفاع عن الوطن ولا يدري متى ينتهي واجبه هذا فهل هذا الجندي مهيأ لأن ينشيء بيتا اجتماعيا لا يستطيع القيام بواجباته كاملة ، تلك هي المفارقة واجبان مقدسان في عقيدة الإنسان وليس بالإمكان بالجمع بينهما في وقت واحد .
ـ وعندما ينتهي ذلك الواجب ويوجد من يقوم بمهام الحراسة والدفاع .
ـ عندها يمكن التفكير في الشأن الاجتماعي .
ـ دكتور دعنا نعود للشأن المهني ، فعما قريب سيكون هناك كوكبة طبية جاهزة للعمل أي بعد تخرج طالبات الكلية أواخر هذا العام كيف تنظر إلى ذلك وماذا توصي به الخريجات .
ـ أولا أحمد الله على نجاح الجهود التي بذلت من قبل الدولة ومن قبل الهيئات العلمية والجامعية ، وثانيا إنني أنظر بغبطة وابتهاج حين وأرى جيلا طبيا وطنيا يتسلم مهامه لخدمة بلاده ، أما وصيتي للخريجات فهي أولا الإخلاص في العمل والصدق في الممارسة إذ لا عيب حين تواجه الطبيبة معضلة أن تستشير أطباء قدماء ، ثانيا أوصيهن بالإطلاع ومتابعة التطورات العلمية والطبية عن طريق الدورات وقراءة المجلات المتخصصة فالشهادة التي حصلن عليها ليست إلا وسيلة وليست غاية ذلك أن الطريق أمامهن طويلة وشاقة .
ـ دكتور نشكرك على هذا اللقاء ونتمنى أن يسعدنا الحظ ونلتقي بك ثانية .
انتهى اللقاء وكان معظم الأسئلة والنقاش يصدر عن مزينة وفاطمة دون أن يعرف الدكتور من السائل ولكن الدكتور قد أعجب بالمستوى الثقافي الذي لمسه خلال النقاش والذي يعتقد أنه من سائر الطالبات .
انتهى العام وتخرج مجموعة من الطالبات ومنهن مزينة وفاطمة ومن المفارقة أن يجري تعيين مزينة وفاطمة في نفس المستشفى الذي يعمل به الدكتور صالح ، ويكن تحت رئاسته .
كانت وصية الدكتور صالح للطبيبات بأن لا يخجلن من الاستشارة عندما يواجهن مشكلة طبية يصعب عليهن فهمها ، كانت هذه الوصية تتردد في خلد مزينة وعند مواجهتها للمشكلة الأولى اتصلت بالدكتور صالح وطلبت مشورته .. وحضر الدكتور إلى عيادة الدكتورة مزينة وأشرف على الحالة التي كانت تعالجها مزينة لأحد الأطفال .. وأعطى تعليماته مع بعض التوجيه للدكتورة .
كانت مزينة في بداياتها مع الدكتور صالح تميل إلى المواجهة لكنها بعد المحاضرة والمحاورة الثقافية قد تغير رأيها وأصبحت تنظر للدكتور نظرة تقدير واحترام ، لكن سحابة الماضي لا زالت تؤرق خاطرها .. ولكي تغير الصورة القاتمة التي مرت بها راحت تشعره باهتمامها واحترامها والاتصال الدائم به للاستشارة حتى لو لم تكن ضرورية .. ولتقترب منه أكثر طلبت من الدكتور أن تلتقي به في مكتبه لأمر خاص ، وقد استجاب الدكتور وحضرت مزينة إلى مكتبه .. وكانت حالة من الارتباك للاثنين معا .. ومضت لحظات صمت أعقبها صمت أعقبها الدكتور بقوله :
ـ تحت أمرك يا دكتورة مزينة .
ـ دكتور أنا أولا أشكرك على المعاملة الإنسانية والطبية التي ألقاها مع التوجيه والإرشاد الذي استفيد منه باستمرار ، ثانيا أود أن أعود للوراء بعض الوقت للبحث عن ورقة ( داكنة ) كنت أنا سببا في وجودها وأود القضاء عليها ، ثالثا أرجو أن تقدم لي النصح حول الدراسات العليا والتي أوشك أن أبعث للحصول عليها .
ـ إن المعاملة والتوجيه والإرشاد هو جزء من مهمتي كإنسان أولا وطبيب ثانيا .. أما الورقة الداكنة فلا مكانة لها عندي ولا أشعر بوجودها وكما قلت أوافقك على القضاء عليها أما موضوع الدراسات العليا فإنني سوف أبحث عن الجامعات والتخصصات التي تحتاجها بلادنا وسأزودك بها لا حقا .
وشعرت مزينة براحة نفسية لم تشعر بها من قبل فقد أزالت ما كانت تشعر به من ظلال بينها وبين الدكتور على الأقل من جانبها ، أما الدكتور فقد أعجب بلباقة مزينة وحسن منطقها .
سافرت مزينة للخارج للحصول على الماجستير بعد أن تلقت نصيحة الدكتور باختيار الجامعة والتخصص ، هناك بالخارج شعرت مزينة بأن شيئا يشدها ويجذبها لبلادها وللمستشفى الذي كانت تعمل به وشعرت بأن هناك ما يشغل بالها ، ولم يكن سوى ذلك الشخص الذي استولى على اهتمامها وإعجابها .. إن صورته لم تعد تغيب عنها .. صفاته التي يتميز بها أسلوبه الهادئ وتواضعه الجم .
فخطر ببالها أن تكتب له رسالة تبدي له شكرها على النصيحة ، كما تضمنت الرسالة شأنا آخر شبه عام اخبرته عن دراستها وعبرت له عن عميق عرفانها ، وأشارت من طرف خفي عن اشتياقها لبلادها وأهل بلاده .
فرد الدكتور لها برسالة تمنى لها فيها التوفيق في الدراسة كما شكرها على اهتمامها به .. كانت رسالة لطيفة لا تحمل أسلوب المحاضرة الجاف أو إلقاء الدروس بل كان فيها رطوبة وفيها ليونة ولا تحمل أسلوب الدكتور الجاد .
وشعرت مزينة بعد تلقيها الرسالة بانجذاب أكثر .. وكتبت لصديقتها فاطمة تخبرها بما دار بينها وبين الدكتور وطلبت منها وهي طبيبة أيضا بنفس المستشفى طلبت أن تذهب إلى الدكتور وتبلغه سلامها وتستطلع رأيه ومشاعره نحوها على أن لا تخبره بموضوع تبادل الرسائل بينهما ، طلبت فاطمة مقابلة الدكتور فإذن لها وقابلته في مكتبه وقالت :
ـ إن رسالة قد وصلتني من صديقتي مزينة وهي قد حملتني أمانة السلام عليك ..وهي أيضا ترجو منك أن تتكرم بكتابة أسماء بعض المراجع لها شاكرة لك هذا الجميل.
ـ لا بأس عليك وعليها السلام وبشأن المراجع فإنني سوف أعد لها لائحة بها فهل ترغبين بتسلم تلك اللائحة عند كتابتها ؟
ـ لا فهي ـ مزينة ـ تود أن تتشرف برسالة منك مرفقا بها اللائحة فأرجو التكرم بذلك إن كان ذلك ممكنا .. إنها يا دكتور تشعر بالامتنان وتحمل لك قدرا كبيرا .
ـ لا بأس سوف أرسلها إليها بنفسي .
وأرادت فاطمة أن تتمادى في كشف أغور الدكتور وقالت :
ـ لقد كان هنالك بعض الظلال على علاقتكما فهل أفهم أنها قد زالت ؟
ـ فاطمة أنت فتاة ذكية بل تتمتعين بالدهاء ..نعم لا يوجد الآن أي ظلال .
ـ يعني هل أصبحت العلاقة بينكما جيدة ؟
ـ ربما أكثر .
فالتقطت فاطمة تلك العبارة التي أفلتت من لسان الدكتور الذي كان شديد التحرز والتحفظ .. وطارت بها ترسلها إلى مزينة عبر الهاتف ، وما أن سمعت مزينة ما قالته صديقتها على لسان الدكتور حتى تملكها السرور والابتهاج ، فقد كان هنالك توارد خواطر بينها وبين الدكتور ، علاقة جيدة ، بل أكثر .. إنه حلم داعب خيالها فقد انقلب ذلك الخصام إلى تهافت وتواد ولكنه تواد غامض مستتر تحجبه السمات العقلية ويخفيه الغيب غير المقروء .. نعم إن هناك توارد خواطر ، ولكنها خواطر متباعدة .. لم تتميز ولم تتفاعل ، لم يتصل بعضها ببعض .. ولكن فاطمة بدهائها قد أمسكت بأول الخيط وسلمته لمزينة ولم يكن لدى مزينة ما يمنعها من أن تكشف أوراقها وتشير إلى ما يعتلج بخاطرها .. وكتبت إلى الدكتور تقول :
أستاذي الكريم :
بعد أن مررت بمراحل من التعامل المضطرب مع رجل بل إنسان نادر المثال .. ثبت لي وتأكد وترسخ أنني أتعامل مع إنسان عظيم ، لذا فقد بلغ مني الإعجاب به مكانة لا مثيل لها .. كما أن سجاياه العقلية والخلقية التي يتصف بها قد جعلت منه رمزا يحتل التقدير والاحترام عندي ودفعتني تلك الصفات والمزايا التي وهبها الله لك.. دعتني أو جذبتني لأن أكتب إليك وأكشف لك عن جانب من الستار الحديدي الذي أحيط به نفسي .. وفي نفس الوقت أعترف بأن الحالة التي أكتب فيها إليك هي حالة خارج الواقع واحساس فوق السيطرة ، فالقلم الذي يكتب قد استولت وسيطرت عليه قوى خفية ولا سيطرة لي عليها .. لذا فإنها ستكون معنية بما يرد في هذه الرسالة ، فأناملي التي تمسك بالقلم ليست سوى وسيلة تستخدمها تلك القوى .. أما أنا بكامل كياني فلست إلا كيان خاضع أو تابع لتلك القوى تقوده وتتحكم به ، فلندع تلك القوى تتحدث أو ليتحدث الكيان من خلالها .
عندما أخلو إلى نفسي كنت أنظر وانتظر أن ترسل لي بلادي شيئا من نسيمها لكي يبلل جفاف بعدي ووحشة غربتي وغيابي عن موطني وعمن أريد رؤيتهم والقرب منهم ، وحين غادرت البلاد لم أكن أظن أن شيئا ما مني قد بقي ولكن بعد مضي الوقت وعندما رحت أعد وأحصي أحاسيسي ومشاعري وقد أقول أفكاري ، عندها اكتشفت أن أشياء مني مفقودة .. بقيت تخلفت وربما احتجزت .. وكنت أجهل الأسباب التي من أجلها بقيت وتشتد بي الحيرة لماذا احتجزت بعض مشاعري واحاسيسي .. ربما أنها تلك القوى التي تتحكم بمشاعر الإنسان وإرادته دون خيار منه.
بالأمس وفي أجواء تلك الحالة أصابني منام أو حلم شعرت فيه بأن سهما قد انطلق من بلادي واخترق الأجواء متجها إلى كياني وكان يحمل على متنه ( غاز ) وبين يدي هذا الغازي البقية التي بقيت مني .. حملها ذلك الغازي لتكون له وسيلة وحجة حتى يتسلح بها للاستيلاء على البقية الباقية والتي حملتها معي إلى الغربة .. ولم يكن أمامي مفر ولم يكن لدي وسيلة أو سلاح أصد به ذلك الغازي فتهاوت حصوني وتساقطت دفاعاتي ، تلك الحصون التي كنت أثق بمناعتها وأزعم أنها صعبة الاختراق، فجاء ذلك السهم بسحره وبدد مزاعمي وأبطل ثقتي .. فما كان أمامي إلا أن أرفع راية الاستسلام واستنجد من ذلك الغازي بالغازي نفسه وأطلب منه أن يكون رحيما ورفيقا بمنشآتي وبقايا حصوني..ولم أكن محظوظة لأستمع إلى استجابة ذلك الغازي على استنجادي.ذلك لأن هزيم الرعد خارج غرفة منامي قد أيقظني.
أستاذي الكريم …
يبدو أنني قد عدت لواقعي فلا تسلني ولا تأخذ مني جوابا عما تقدم فتلك مسئولية القوى الخفية والحساب عليها ومنها . د . مزينة .
ولندع الدكتور يغوص في هذا الخضم من المشاعر التي تتقي خلف غلالة شفافة لا تقيها من العين التي ترقبها وتتوقعها بل تنتظرها .
ونعود لبيت العائلة ، عائلة مزينة ونرقب شيئا من الأحداث المهمة … لمزينة شقيقين .. ماجد الأكبر ويعمل في مؤسسة خاصة يملكها ثري مشهور .. وخالد يعمل موظفا إداريا في المستشفى الذي يعمل به الدكتور صالح .. وكان الثري ويدعى يوسف عبد الرحمن وتربطه علاقات وثيقة بعائلة مشعان التغلبي وبالأخص ماجد الذي يعمل لديه والذي أسبغ عليه البذل والعطايا ذلك أنه ( الثري ) له اهداف أخرى فهو وإن كان متزوجا ولديه أولاد إلا أنه يميل إلى الترف والحياة الأخرى ويرسم في ذهنه الزواج مرة أخرى ولأنه يعرف الدكتورة مزينة جيدا فقد فكر بما له من حظوة لدى أسرة مشعان أن يتقدم لخطبتها .. لا سيما وأنه واثق من شخصية قوية في العائلة وهي شخصية ماجد ، واثقا بأنه سيدعم طلبه .. فراح يوسف يفكر كيف يدخل من ذلك الباب الذي لا يدري ما خلفه وظن أن المال خير وسيلة للبداية .. فراح يغدق على العائلة الانفاق والهدايا وحظي ماجد بسيارة كما نفح خالد ببعض الهدايا بعدها قرر أن يطرق الباب وجس النبض بصديقه ماجد .. فوجد لديه الاستجابة .. فحصل منه على وعد لتسهيل الطريق إلى استجابة الآخرين الوالد والوالدة وقام ماجد بالمهمة خير قيام فقد استطاع اقناع والديه وحتى شقيقه خالد ونال يوسف الموافقة الجماعية المبدئية ، ولم يبق إلا صاحبة الشأن الدكتورة مزينة .
قرأ الدكتور رسالة مزينة مرة ومرتين ووجد نفسه في مواجهة مع جانب من جوانب شخصيته الذي حاول ( زمنا ) أن يبقيه مواربا ( وليس مغلقا ) لكن ريحا هبت وفتحت الباب على مصراعية ووجد نفسه أيضا على مفترق طرق .. وجد نفسه أمام اختيار بل أمام امتحان فإما أن يبقى الباب مفتوحا ويفرج عن المكتوم والمحبوس الذي يختزنه الجانب الآخر من كيانه .. أو يغلق الباب ويعصف بالمشاعر ويقطع ويبتر الحبل معها ..
لم يكن الدكتور بسماته الجادة وأسلوبه المحافظ خال من المشاعر ورقة العواطف ، لكنه كان يرقب المواقع ويتحسس ويتلمس الطرقات بحذر وتوجس لكن مزينة قد قضت على كل المحاذير وأزالت كل التوجسات ، لقد أصابت مكمن التردد لديه وجعلته يلقي بمحاذيره ، أن مشاعر الدكتور متحفظة ، متأنية وتتحرك بتؤدة .. لكنها حين تلمس الأمان وتشعر بالثقة فإنها تحط كما يحط الطير على عش فراخه تحط مخلصة صادقة .. وهي لا تشبه تلك العواطف الجياشة التي تتقد وتشتعل نارا ثم لا تلبث حتى تتوارى وتخبو ثم تنطفئ .
ومن طبيعة الدكتور المهنية راح يحلل ويفحص ويبحث طبيعة ذلك الفيروس الذي أصاب كيانة العاطفي .. ويبدو أنه وجد حلا .. المهادنة .. التحالف .. وأخيرا التوافق والانسجام والصلح على أن يعمد الفيروس على نزع سلاحه وأن لا يدمي ولاينهش .. بل يصبح ترياقا ودواءا يلبي ما تحتاجه الروح ويمسح ما يعلوها من كدر وأحزان ويرويها بما تحتاجه من ماء الحياة ويزيل التردد ويوقف البحث بعد ما وصل الدكتور إلى هذا التشخيص وهذا التحليل قام بالخطوة الحاسمة .. وبأسلوبه الطبي أيضا كتب وصفة موجزة تعني كل العلاج وكل الإيجابية أيضا وقال :
طالبتي العزيزة مزينة من الوطن إلى بلاد الغربة .
أصابني الفيروس الذي انطلق من هناك وعلى متن النجم الثاقب .. وقد تصالحت معه وعقدنا العزم على السير معا ، أما الغازي فقد استجاب للرجاء وحافظ على الحصون ودعم الدفاعات .. انتظر العودة بشوق . د . صالح .
عادت ميزنة بعد حصولها على الماجستير وكان أهلها والدها ووالدتها في استقبالها .. وقد فوجئت مزينة بحضور الدكتور صالح ايضا في استقبالها وكم كانت فرصة بأن يجري التعارف بين الدكتور وعائلة مزينة .. فقد كانت تذكرة دائما لديهم وتمتدحه وتثنى عليه .. إلا أنهم لم يروه من قبل .. وحصلت المجاملات وابدى والداها وامتنانهما للدكتور لحسن معاملته للدكتورة مزينة وقد أصر الوالدان أن يحضر الدكتور العزيمة والاحتفال الذي سيقيمانة بمناسبة تخرج ابنتهما ، فواق الدكتور على الدعوة شاكرا لهما .
وعند عودتهما إلى المنزل سمعت بذلك الخبر غير السار .. وهو خطبة ذلك الثري لها في غيابها ، وما صدمها هو أن عائلتها قد وافقت باكملها ، لكن مزينة رفضت واحتجت إذ كيف يحدث ذلك دون علمها وأخذ رأيها وهي صاحبة الشأن ، وناقشت أهلها بالموضوع وأبدت رفضها لهذا الأسلوب ورفضت الفكرة وقالت وأنها لا تفكر حاليا في الزواج وأنها في الوقت الحاضر لا تفكر إلا في عملها الذي أمضت جل عمرها للحصول عليه .. وقالت أيضا أن الزواج سيحرمها من متعة ممارسة عملها وعلمها وأن الزواج سيكون مخلا بواجبها نحو بلادها التي انفقت عليها وأعدتها لتخدم مواطنيها وتقوم بواجبها ، وقد هيأ الأهل اجتماعا حضره ذلك الثري يوسف عبد الرحمن وبدى أمام مزينة كشكل ومال ملفت للنظر لكنه كمضمون قد سقط في نظرها ، وذلك حين حضرت جانبا من الاجتماع وحصل خلاله نقاشا ادبيا وثقافيا فقد وجدت إنه لا يفقه شيئا سوى ذلك المظهر فقط وقد لمس الخاطب شيئا من صدود مزينة واعراضها عنه كلما حاول الحديث معها .. لكنه ـ الخاطب ـ لم تثنه تلك الاشارات وراح يحاول استمالة عائلتها وشقيقاها وأغدق عليهم الهدايا والعطايا .. لكن ذلك لم يؤثر على مزينة وظلت على إصرارها وعدم اقتناعها .. وغضب اخوها ما جد وهددها وحذرها بأنه لن يكون هناك أي عريس آخر .. وتحملت مزينة التهديد وكتمت غيظها .
باشرت مزينة عملها بالمستشفى وأصبحت نائبة للدكتور صالح ، وتوطدت العلاقات بينهما على المستوى المهني وغير بعيد عن المستوى الآخر ، ولكن ذلك الأمر ـ خطبة الثرى ـ لم يبرح خاطرها واصبحت هما يؤرقها .. وقد شكت لصديقتها فاطمة واستنجدت بها لتجد لها مخرجا ـ كما تعودت دائما اللجوء إليها عندما تواجه أية مشكلة ـ قالت فاطمة وهي تدري بتفاصيل العلاقة بينهما وبين الدكتور :
ـ هل يعلم الدكتور بهذه المشكلة ؟
ـ لا لم أخبره كما أنني لم افاتحه في العلاقة الخاصة منذ عودتي .. والكل منا يتهيب المفاتحة .
ـ إنني أرى أن تتحيني الفرصة وتتحدثي معه في العلاقة الخاصة قبل أن تخبريه بالمشكلة .
ـ فاطمة .. إنني لا استطيع .. كرامتي .. مشاعري الخاصة .. لا .. لا استطيع .
ـ مزينة .. أي كرامة وأية مشاعر ما الذي جرى من خلال الرسائل .. لم يبق شيء يفصل بينكما إلا هذه المشكلة .
ـ ها أنت قلتها من خلال الرسائل .. لكن الرسائل لم يجر ترجمتها إلى واقع .. العمل المتراكم المستمر لم يترك لنا فرصة لنلتقط أنفاسنا هناك مجاملات .. وملاطفة في المعاملة من قبل الدكتور بصفته الرئيس المباشر .. أما العلاقة الخاصة فلم نتطرق إليها.
ـ مزينة لم أعهد فيك التردد والإحجام كنت شجاعة بل كانت لديك الجرأة والمغامرة.. فهل أصابتك رقة المشاعر بالجبن والإحجام ؟ .
ـ لا يا فاطمة لقد كان ذلك أثناء فترة الطيش والغرور التي تجاوزتها .. وحل محلها التروي والتفكير .. لقد تأثرت بأسلوب الدكتور المتحفظ .. لذا ليس باستطاعتي القفز على الحائط .
بعد هذا الحوار الذي لم تستطع فيه فاطمة اقناع صديقتها مزينة .. فكرت فاطمة في خطة راحت تسنج خيوطها .
افتعلت فاطمة مشكلة إدارية وادعت أنها تواجهها هي وزميلتها مزينة .. وطلبت فاطمة من الدكتور صالح الاجتماع العاجل . .وانعقد الاجتماع وعرضت فاطمة المشكلة على الدكتور وخرجت مناقشتها وتم إيجاد الحل للمشكلة .. وقبل الانصراف أرادت فاطمة البدء بخطتها الالتفافية وقالت :
ـ دكتور ألا نطمع في ندوة ثقافية أخرى على غرار تلك الندوة التي كنا عقدناها ونحن على مقاعد الجامعة ؟.
ـ إنني أتشرف لذلك يا فاطمة ولكنك ترين نفسك انغماسنا في العمل المتراكم .. وأنه لا وقت لدينا للترف والرفاهية الثقافية .
ـ ألم تجد وقتا للترفيه عن نفسك والاستمتاع بوقتك يا دكتور وأنت قد وعدت في تلك الندوة بأنه عندما يتوفر الكادر الطبي الذي سيقوم بواجبه ويخفف عنك من الأعباء فإنك تسجد فرصة للعناية بواقعك . وها نحن الآن نذكرك بذلك الوعد لا سيما وأنه قد توفر كادر طبي يقوم بواجبه خير قيام .
ـ فاطمة إنك قادرة وقديرة دائما على لمس غامض الأفكار عندي وتستطيعن الوصول إلى خفايا المشاعر وما يدور بخاطري ، نعم أتذكر ذلك السؤال الشخصي الجريء والذي اتوقع أن دهائك قد صاغه ، وما دمت قد وضعتني على كرسي الاعتراف وبحضور الشاهد المهم بل الأهم فإنني اعترف بتحللي من ذلك القيد وشرط الامتناع .
ـ تعني دكتور أنك الآن قد عدلت عن العزوف والامتناع عن ممارسة الحياة الاجتماعية؟
ـ نعم عدلت وأقر بأنه قد حان لي أن أبحث عن الوظيفة الاجتماعية .
ـ الحمد لله أنك قد عدلت وعدت تحت طائلة قانون البشرية .
ـ سمه ما شئت فلقد حان الوقت الذي علي أن اتمتع فيه بالحياة الاجتماعية والإنسانية .
ـ فلنسم الأسماء باسمها فقد قررت أن تتزوج أليس كذلك دكتور ؟
ـ نعم قررت .. فهل انتهى الاستجواب ؟
ـ لا لم ينته بعد دكتور . فما دمت قد قررت الزواج ونحن زملاء .. ونود لك كل الخير والتوفيق.. فإنني أطرح عليك سؤالا .. جريئا جديدا هو هل في ذهنك أو خيالك صورة (ما) وهل نستطيع خدمتك ؟
ـ فاطمة يبدو أنك أتيت أو أرسلت من قبل البوليس لادخالي قفص الاتهام .. أو لعله القفص المغاير المعاكس الذي لا يزعج أحدا دخوله .. نعم فاطمة .. هناك في خيالي صورة طبعتها الأقدار في ذهني وعقلي بل في كل كياني .
ـ وهل هذه الصورة في متناولك وتستطيع أونستطيع الوصول إليها ؟
ـ في الواقع لا استطيع الاجابة سلبا أو ايجابا لأنني لا أملك الإجابة ولا أقرأ الغيب.
ـ عجيب أمرك تضع نفسك في حيرة وأنت في حل منها .. تقول أن الأقدار قد طبعتها في ذهنك ثم تعود لتقول بأنك لا تستطيع الإجابة .. في حين أننا نؤمن بالأقدار ولا نستطيع ردها أو مقاومتها فكيف نفهم ذلك ؟
ـ نعم فاطمة إن الحيرة تحيط بي .. ومعها ذلك الإطار من التحفظ والتردد .. لكن حصارك قد دفع بي لأن أفض وازيل ذلك الستار الشفاف والحاجز المتداعي واكشف أوراقي والتي أرجو ألا تحرقها ظروف الغيب أن الصورة قد أصبحت حقيقية انه ذلك الشاهد الذي يحمل بين يديه القيود التي أرجو أن يقبل ويطوق يدي بها وأن يأذن لي بدخول ذلك القفص الذي اعددته لي يا فاطمة إن مزينة هي التي اختارها القدر لتكون رفيقا لي .. إن كان ذلك مقبولا منها .
وشعرت مزينة بشيء من الارتباك والخجل .. وران عليها صمت ثم اطرقت برأسها وكان أن داهمتها تلك المشكلة وعصفت بخيالها واعصابها .. ثم نهضت من على المقعد الذي كانت تجلس عليه وراحت تخطو بهدوء متجهة إلى الحائط الذي تعلوه صورة كبيرة لطفل ، وذلك محاولة منها لاخفاء حزنها ومداراة لدمعتين كانتا تترقرقان في عينيها وذلك خشية أن تسقطا فتكشف حزنها وحيرتها ، وتعطلا لغتها.
وشعر الدكتور بشيء من الحيرة والقلق وظن أنه قد أحرجها وأنه ربما يكون لها ظروف تمنع استجابتها .
أما فاطمة فقد كانت تعلو شفتها بسمة ابتهاج وغبطة لأن خطتها نجحت ، أما ما حصل لمزينة من ارتباك وحزن فإنها تدري سببه ولكنها متأكدة أن ذلك سوف ينتهي لأن الإرادة إرادة مزينة هي كل شيء .
كان الدكتور قد أنقذته من حيرته مكالمة هاتفية شغلته لبعض الوقت ، مما وفر لمزينة وقتا تسترد فيه أنفاسها لكنها ظلت صامتة. وحين لاحظ الدكتور طول صمتها أراد أن ينبهها إلى ذلك وقال :
ـ عفوا دكتورة مزينة ما قصدت إحراجك وإنني أقدم اعتذاري إن كان ذلك الأمر فوق طاقتك وتنبهت مزينة من الحالة التي غمرتها وقالت :
ـ لا .. لا يادكتور لا تعتذر فإن استجابتي ملك لك وزمام خياري بين يديك ولكن ..
ويبدوا أن الدكتور شغل بسماع العبارتين الأوليين ولم يسمع الكلمة الأخيرة ( لكن ) .. وراح في نشوة وابتهاج ينظر إلى مزينة ليبحث لديها عن مثل هذا الشعور الذي أحس به ولكنه فوجئ بأن رآها ساهمة ويعلو وجهها الحزن وشعر الدكتور أن جوابها ربما كان مجاملة وخجلا ..
ومضت لحظات صمت أحس بها الدكتور ثقيلة وطويلة فاراد أن يبدد هذا الصمت وقال :
ـ دكتورة مزينة اكرر اعتذاري وأنت في حل إن كنت قد قلت ما قلته مجاملة أو حياءا..
ـ لا يا دكتور إن ما قلته هو يقيني وذلك هو حلمي وتلك هي أمنيتي .. ولكن ..
ـ ولكن ماذا… ؟
ـ كما قلت لك يا دكتور إنك غاية مناي ولكن هناك معضلة تقف في طريقي ولا أدري كيف حلها .
ـ معطلة .. أي معضلة يا دكتورة وما هي تلك المعضلة ؟ ألم تعني ما قلت من أنك تقبلين بي زوجاً ؟.
ـ إنني أعني ما قلت يا دكتور ولكن هناك مشكلة في البيت .
ـ ما هي المشكلة هل يمنعونك من الزواج بمن اخترته واختارك ؟
ـ إنها مشكلة التقاليد والرأي الأوحد أي اختيار الزوج دون علم وموافقة البنت (الزوجة ) فلقد تقدم لخطبتي أحد التجار والذي له علاقة بشقيقي الأكبر فوافقت أسرتي كان ذلك أثناء غيابي في الخارج وعند عودتي فاجئوني بذلك التصرف لكني رفضت بشدة مما حمل شقيقي على الغضب والتحدي وأقسم أنني لن أتزوج غيره.
هنا حدث لمشاعر الدكتور شيء من الإحباط لكنه لم ييأس وهون على مزينة وقال لها.
ـ لا تحزني فقد نتدبر الأمر نستطيع حل هذه المشكلة وثقتنا بالله متينة وقوية ، سنقاوم مدى الدهر لأن تنالي أمنيتك وإرادتك وسوف أبقى داعما ومساندا لك طول الوقت.
فانشرح خاطرها وقالت :
ـ ماذا ترى يا دكتور ، هل لديك فكرة نبدأ بها ؟
ـ نعم لبندأ الأمور بالهدوء والتأني وأرى أن أول خطوة نبدأ بها هي والدتك ، فدائما الوالدة أقرب الناس لأبناءها وأكثرهم تعاطفا مع إرادتهم فعليك التحدث معها صارحيها بأن فرض الزواج أمر لا يقره عرف ولا دين وأن الإرغام على الزواج لا يسبب إلا التعاسة وصارحيها بما تعرفيه عن مكانتي وعن اقتناعك بي ورضاك تجاهي، وأنا مطمئن أن والدتك سوف تتعاطف معك … وبعد أن تكسبي والدتك فإنها سوف تتولى التأثير على والدك وهي أقدر الناس بالتأثير عليه أما شقيقك الآخر خالد فإنه صديق لي بحكم الزمالة كونه إداريا في المستشفى وقد عملت معه معروفا لن ينساه، لذا فإنه سيقف إلى جانبنا ، أما المعارض الرئيسي ماجد فسوف التقيه وأبحث معه الموضوع .
ـ إن ما رأيته حول الاتصال بالوالدة هو الرأي السديد وسوف أسير فيه ، أما بالنسبة لشقيقي ماجد ولقاءك به فأرجوك أن لا تلتقيه فهو عصبي المزاج ومتهور وقد يحصل شيء لا تحمد عقباه .
عندما جلست مزينة مع والدتها وصارحتها بعدم رغبتها في الزواج من التاجر الذي سبق له الزواج أولا وثانيا لأنه كثير الأسفار وسمعته غير سليمة .
ـ انتي يا ابنتي قد بلغت السابعة والعشرين ونخشى أن يفوتك القطار ، ثم إن هذا الرجل قد أعطاه والدك وأخوك ماجد الموافقة فماذا يكون موقفهم ؟
ـ يا والدتي أثابك الله أما قضية فوات القطار فعليك أن تثقي وتطمئني ، فالقطار الآن قد وصل وهو ينتظر أن يفتح له الباب أما موافقة والدي وأخي فإن ذلك مخالف للعرف الشرعي فمتى تزوج الفتاة دون موافقتها ؟
ـ يا ابنتي أن تعرفين أنني حريصة على سعادتك وراحتك وتوفيقك وأنني لن أرضى بإرغامك على ما لا تريدينه ، ولكن ماذا تعنين بقولك أن القطار قد وصل ؟
ـ أمي الحبيبة إن إنسانا كبير المقام يريد التقدم لخطبتي .
ـ من هو هذا الإنسان يا ابنتي ؟
ـ إنه الدكتور صالح يا والدتي أشهر أطباء طب الأطفال وهو زميلي في المستشفى واعتقد أنت ووالدي قد تعرفتم عليه عندما حضر لاستقبالي حين حضرت من الخارج ، وأنا أعمل مساعدة له في المستشفى .
ـ الدكتور صالح نعم لقد تعرفنا عليه أنا ووالدك أثناء قدومك من السفر .
ـ نعم يا والدتي إنه دكتور مرموق وسمعته وأخلاقه يشهد لها كل من يعرفه ، وهو يقدرني ويفهمني وقد تعرف كل منا على الآخر خلال الدراسة والعمل في المستشفى ، وقد اختارني من بين مئات البنات اللواتي اعترضن طريقه وأنا موافقة عليه ، وما عليك يا والدتي إلا أن تقفي بجانبي وتسانديني فإن رغبتي وسعادتي بل ونصيبي الذي أراده الله لي هو ذلك الإنسان .
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله يا ابنتي أتمنى لك السعادة من كل قلبي ولكن ماذا عن موافقة والدك وخاصة شقيقك ماجد هذا الذي تصلب وأصر على زواجك من ذلك الإنسان؟
ـ يا والدتي العزيزة أود منك أن تحسمي موقفك وتقفي إلى جانبي ثم بعد ذلك نسعى لاقناع والدي وشقيقي ماجد ، أما خالد فإنه صديق للدكتور صالح وسيقف إلى جانبه بعد ذلك سنحاول بكل هدوء أن نقنع ماجد ، ونبسط أمامه الأمور العقلية والواقعية ، وإنشاء الله سيقتنع .
ـ ابنتي مزينة ثقي بأنني سأقف إلى جانبك بكل ما أستطيع من قوة وسوف أتحدث إلى والدك وهو مثلي يود لك السعادة والهناء .
تنفست مزينة الصعداء بعد أن كسبت أول خطوط المعركة ، وبالرغم من يأسها وخوفها من عدم اقتناع أخيها ماجد إلا أن السلاح الذي تملكه هو موافقتها جعلها تطمئن وإن كانت المعركة مع ماجد ستكون شرسة .
وقد نقلت مزينة للدكتور تلك الأخبار التي تطمئن بعض الشيء وهي مساندة والدتها وضمان موافقة والدها الذي ستتولى إقناعه ، أما ماجد فلا زالت قضيته أو مشكلته مفتوحة .
وصلت إلى مسامع ماجد بعض الأحاديث حول الخطيب الجديد لشقيقته ، وهو لا يعرف الدكتور معرفة شخصية فقط بل كان يسمع في بعض الأحيان اسمه على لسان شقيقته والتي دائما ما تمتدحه وتثني عليه ، ثم شاهده عندما حضر حفل تخرج الدكتورة مزينة ، وهذا كل ما عرفه عنه ، ولكي يعرف حقيقة الكلام الذي سمعه فإنه لم يتوجه لشقيقته خشية الاصطدام بها إنما ذهب إلى والدته ليسألها :
ـ سمعت أن هناك من تقدم لخطبة أختي مزينة ما حقيقة ذلك يا أمي ؟
شعرت والدته من خلال لهجته بأن هنالك نزاعا سوف يحدث فحاولت التحدث معه بقدر ما لديها من حكمة وعقل وقالت :
ـ يا ولدي إن مزينة قد أصبحت امرأة مكتملة العقل والفهم وأن زواجها أمر يتعلق بها وحدها ولا يمكن إرغامها على من لا تريد ، وهي شقيقتك وأنت لا تريد لها إلا الخير والسعادة ، لذا فإنني أرجوك بما لي عندك من تقدير واحترام أن تعطي مزينة حريتها لتختار من تريد .
ـ يعني فعلا أن هناك من تقدم لخطبتها .
ـ يا بني لم يتقدم لها أحد حتى الآن ولكن ..
ـ ولكن ماذا هل تريدون كسر كلمتي وإفشالها ، لا بأس هي ترفض صديقي وصاحب الفضائل علينا ، ولكن هي لن تتزوج أبدا.
ونهض ليغادر فأمسكت به والدته وأقعدته قسرا وأمسكت بيديه وقالت :
ـ يا بني .. ولم تستطع أن تكمل كلامها واجهشت بالبكاء وراحت تنتحب ، فأخذ ماجد طرف غترته وراح يمسح دموعها وبعد أن راقت قالت له يا ولدي هل تقسو على أختك وتكسر خاطرها وتحرمها من السعادة ؟
أظهر ماجد شيئا من التراجع الغير حقيقي وقال :
ـ يا أمي هوني عليك وسوف أبحث الموضوع مع والدي ونرى ما يقسمه الله ولا تكدري خاطرك .
غادر ماجد المكان وأمه غير مقتنعة بما قال ولكنها وضعت أملها بأن يقنعه والده .
وكان مشعان والد مزينة رجل مكتمل العقل والفهم ويقدر ابنته مزينة ويحترم إرادتها لذا فقد اقتنع بزواجها من صالح .
قابل ماجد والده مشعان وقال له :
لقد سمعت أن هناك من سيتقدم لخطبة مزينة فهل هذا صحيح ؟
وكانت والدة ماجد قد أخبرت والده مشعام بالموضوع محاولة اقناعه وطلبت منه الموافقة على زواج مزينة من الدكتور صالح وقد تم لها ما أرادت .
قال والده .
ـ هناك شيء من هذا يا ماجد .
ـ ومن هذا الذي سوف يصبح صهرا لنا ؟
ـ لقد فاتحتنا مزينة بالموضوع لأخذ رأينا وموافقتنا على زواجها من الدكتور صالح الشامي رئيسها في المستشفى ومدرسها في الجامعة قبل ذلك .
ـ ما شاء الله ومن هو هذا المجهول المدعو صالح الشامي ؟
ـ يا ماجد إن الدكتور صالح ليس مجهولا فهو دكتور مرموق ومشهور وذو مكانة رفيعة
ـ هل هذا المشهور المرموق يحق له الاتصال بنساءنا من ورائنا دون احترام لأهلها وذويها ، ومنذ متى كانت النساء لهن حق اختيار الأزواج ألا ترى يا والدي أن هذا فيه استهانة بنا حين يخطب الرجل المرأة من نفسها دون الرجوع إلى أهلها ؟
ـ يا ماجد يا ولدي هو لم يخطبها وإنما بصفتها زميلته ومساعدته في المستشفى وطبيبه مثله وأن طبيعة العمل تفرض عليهما أن يلتقيا ، ومن هنا كان اختياره لها دون غيرها من عشرات الطبيبات والنساء ولأنهما مثقفان ومتعلمان ويفهمان ويقدران العلاقة الزوجية التي تبنى على التفاهم والتوافق فعلى هذا الأساس طلب موافقتها والاقتران بها لأن موافقتها ضرورية ومن ثم يتقدم لأهلها لخطبتها رسميا .
ـ هذا يعني أنها وافقت على الزواج من هذا الرجل الذي لا نعرف له أصل ولا فصل قبل أن تأخذ موافقتنا .
ـ هذا شأنها وهي مكتملة الرشد ولابد أنها تدري بمصلحتها .
ـ يعني أن أهلها ليس لهم رأي ؟
ـ يمكن أن يكون لهم رأي عندما يكون الرجل الذي اختارته غير متكافئ معها من حيث الثقافة والاستقامة ، وهنا يمكن للأهل أن يتدخلوا .
ـ وتكافؤ النسب ليس مهما لديك يا والدي ؟
ـ أنت لا تدري يمكن أن يكون له نسب وحتى لو لم يكن ذلك فهو أمر ثانوي ما دامت صاحبة الشأن قد رضيت به وما دام ليس به ما يعيبه .
ـ لقد كان صديقنا ومعرفتنا يوسف صاحب الأصل وصاحب المال ، لقد كان أفضل من هذا الذي لا نعرف عنه إلا أنه من أصل شامي كما يدل اسمه عليه ، لقد كان يوسف رجلا وليس ككل الرجال فهو يعزنا ويقدرنا ونحن نعرفه ونعرف نسبه ، ثم إنه سيقوم بتقدير ابنتنا وقد وعد بأنه سيقوم ببناء مستشفى لمزينة .
ـ يا ولدي إن مزينة قالت كلمتها ولا مجال للعودة إلى قضية يوسف ، لذا عليك أن تكف عن ذكره وأن تحترم إرادة شقيقتك .
لم يرض ماجد بالهزيمة وراح يفكر في طريقة يفسد بها ذلك الزواج ومضى يحدث نفسه ( هل اتصل به تلفونيا واهدده هل أقابله وأحذره وحتى لو أخيفه وأشهر عليه مسدسي حين لا أجد عنده استجابة على العدول .
ذهب إلى المستشفى وسأل عن مكتب الدكتور صالح ودخل عليه وعرفه بنفسه قائلا ماجد مشعان ، فحياه الدكتوره بحرارة ودعاه للجلوس .
ـ لن أطيل عليك فقد جئتك لموضوع مهم وأطلب منك الإجابة على طلبي .
ـ تفضل واطلب ما شئت وستنال طلبك إن شاء الله إذا كان ذلك في استطاعتي .
جلس ماجد وقد خف تجهمه بعد أن سمع كلمات الدكتور اللطيفة .
ـ ماذا تشرب يا ماجد قهوة أم شاي فلا يوجد في كفتريا المستشفى غيرهما قالها مبتسما.
ـ لا لا أريد شيئا .
ـ وهل هذا يجوز ألست عربيا وتعرف عادات العرب وجئت ضيفا عند عربي ؟
فأراد ماجد أن يلتقط تلك العبارة ليشن منها هجوما عليه فقال :
ـ ومن قال إنك عربي ؟
ـ إنك تدعى الشامي والشام به خليط من الأعاجم وربما تكون منهم .
ـ يا أخي ماجد لقد اتيت تطلب مني طلبا ثم تحول مطلبك إلى شأن آخر.
ـ نعم لقد جئت اطلب منك بل أرغب أن تكف الأساءة عن شقيقتي مزينة .
ـ تقول اساءة أي اساءة ومن يقول أنني لا أكن لها كل تقدير واحترام؟
ـ الم تفاتحها بطلب الزواج .
ـ بلى واتشرف وأعتز بذلك .
ـ هذا الطلب اعتبره اساءة فلا أنت لنا ولسنا لك .
ـ يا سيد ماجد قولك هذا فيه تجن على شقيقتك أولا وفيه اساءة لي أنا ثانيا .
ـ يا صالح الشامي نحن لا نريد أن تتزوج ابنتنا وأنا قد جئت إلى هنا لأحذرك وأنذرك ومن أنذر فقد أعذر .
ـ يا ماجد هل هذا رأيك أم رأي شقيقتك ؟
ـ ليس لك شأن برأي شقيقتي فنحن لا نأخذ رأي النساء إذا لم نرض عن الرجل الذي يأتينا.
ـ هذا يعني أنكم لا ترضون عني ، ولكن قبل أن اسمع اجابتك هل هذا رأيك لوحدك أم رأي أسرتك بأجمعها ؟.
ـ نعم لا نرضى عنك وواحد منا يكفي عن الآخرين .
ـ ما هي الصفة التي لا ترضيك في ؟
ـ بدون ذكر الصفات أو الأسباب لا نرغب في مصاهرتك ، وإن مضيت في إصرارك على ملاحقة شقيقتي فإن لك عندي هذا .. وأخرج مسدس من جيبه وأشار به إليه قائلا هذا هو الذي ستلقاه عند إصرارك .
ـ ماجد لقد بلغت بك الحماقة حدا لا يطاق ، وإنني بعلمي وعقلي قد تحملت منك
ما لا يتقبله عاقل ، فإذا كان لديك مسدس فعندي مثله وإن كان لديك شجاعة فلدينا أكثر ، لكن العقل والحكمة هي التي تمسك بزمام تصرفاتنا وإن حكمتي وتعقلي تمنعاني من استدعاء رجال الأمن ليأخذوك إلى المجهول .
فشعر ماجد بتهوره وسوء تصرفه ودس مسدسه في جيبه وقال .
ـ إذاً فلابد لنا من لقاء آخر .
ـ ولم لا يكن هذا اللقاء الآن وإنني أدعوك لأن تستمع مني إلى بعض العبارات العقلية التي أرجو أن تجد لديك استجابة .
فجلس ماجد وقد شعر بالندم على تصرفه وأراد أن يمحو شيئا من اساءته بقبول الاستماع إلى الدكتور .
ـ يا سيد ماجد ألست مسلما ألست إنسانا؟
ـ بلي إنني إنسان ومسلم .
ـ وهل تقدر شقيقتك وترضى لها السعادة ؟
ـ بلى .
ـ ألا تطيع والدك ووالدتك وشقيقتك وتسير معهم في الطريق الذي اختاروه .
ـ وما الذي اختاروه؟
ـ لقد وافق جميع أهلك على ما رضيت به شقيقتك ، فلماذا تشذ عنهم وتخالف شريعتك الإسلامية وتحرم شقيقتك من سعادتها ؟
ـ يا دكتور نحن لنا عادات وتقاليد ولا زلنا نتمسك بها والتخلي عنها ( نقيصة ) وعيب فنحن لا نزوج من لا نعرف نسبه وعشيرته .
ـ يا سيد ماجد هل النسب والعشيرة هي كل المؤهلات التي تطلبونها حتى لو جاءكم جاهل أو سفيه فهل تقبلونه لأنه قبلي ؟
ـ لا بل ذلك جانب مهم في من يتقدم لنا بطلب الزواج .
ـ وهل اعتراضك على زواجي من شقيقتك سببه النسب فقط أم أن هنالك أسباب أخرى؟
ـ في الحقيقة هناك شخص عزيز علينا سبق وأن تقدم لخطبة شقيقتي ولكنها رفضته بحجة أنه سبق له الزواج وأنه غير متعلم ..
ـ وهذا الرجل هل أنت راض عنه وتود أن يتزوج من شقيقتك وأنك ترى أنه متكافء معها من حيث العلم والثقافة ؟
ـ في رأيي أنه مناسب لها لا سيما وأننا نعرفه جيدا وأنه غني وقد وعد بأن يبني لها مستشفى .
ـ ولكن شقيقتك قد رفضته .
ـ يا دكتور إن النساء عاطفيات ولا يعرفن مصالحهن ، فلو أن مزينة سمعت مشورتي لقبلت ذلك الرجل ، ولكنها رفضته لأنها لا تجد فيه الرجل المناسب ـ كما تقول ـ وأنها لن تجد معه السعادة والسعادة هي سر الحياة الزوجية فلو أنها قبلت الزواج من يوسف لوجدت السعادة بعد الزواج ولكنها فتنت بك وبعلمك والهالة التي تنشر حولك.
ـ إن هنا سعادة مسبقة وتوافق في الفكر والعلم مرة أخرى أسألك يا ماجد ما سر اعتراضك على زواجي من شقيقتك ؟
ـ إلى الآن يا دكتور نحن لا نعرف عن نسبك شيء ومثل ما قلت لك إن عاداتنا وتقاليدنا لا تقبل من لا نسب له .
ـ سوف اقترب من تقاليدكم ومن عاداتكم ولو كنت غير مقتنع بها ، اقصد بأنني سأخبرك بنسبي ولكن قبل ذلك دعني أسألك ، ألم تقرأ القرآن الكريم ؟ ألم يرد به أن الناس جميعهم خلقوا من ذكر وأنثى ؟ ألم تسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول : " لا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى " ثم إنك الآن تعتز بنسبك العربي ، إلا تعلم أن هناك شعوبا كثيرة لها رقي ولها عراقة ، ولها تقدم في العلم والصناعة ، وأنها لا تنقصهم الشجاعة والبطولات التي يفتخر بها العرب ، وأن من تلك الشعوب من ينظر إلى العرب نظرة دونية .. وأن العرب لم يصل صيتهم ولا اسمهم إلا بعد ظهور الإسلام الذي رفع من شأنهم وقادهم للتطور والحضارة ، أما إذا كنت مصرا على معرفة نسبي فإنني سأروي لك جانبا من التاريخ وإن كنت تدريه أو لا تدريه ، فالتاريخ يقول أن العرب العارية قد رحلوا من اليمن بعد حدوث سيل العرم ثم توجه معظمهم شمالا وقد انقسم العرب حينذاك إلى قسمين المناذرة وقد سكنوا العراق وتحالفوا مع الفرس والغساسنة وقد سكنوا الشام وتحالفوا مع الروم ، وقد كان آبائي الغساسنة الذين اقاموا بالشام ثم هاجر جدي إلى الجزيرة العربية ولأنه قادم من الشام فقد اطلقوا عليه لقب الشامي ، وهكذا اشتهرنا بهذا الاسم كما أنكم أنتم من قبيلة تغلب التي انحدرت من الغساسنة أيضا ، تلك يا سيد ماجد هي الحقيقة والآن لك أن تفكر وتفكر وتقرر ونرجو أن يهديك الله إلى الصواب .
فشعر ماجد كأنه مر بحلم طويل ومر بتاريخ أطول وتطلع إلى الدكتور وقال :
ـ لقد قلبت عقلي وفكري وجعلتني شخصا آخر ، يا دكتور صالح إنني نادم على ما حدث مني ، وإنني أعترف بأن للثقافة دور في تهذيب الفكر والسلوك ، فلم أكن أدري أو أعلم بالمعلومات التي أخبرتني بها ، وإنني أتقبلها بثقة وأصدقك بما قلت .. لذا فإنني أبارك لك بالزواج من شقيقتي ، وقبل أن أغادر مكتبك لي طلب واحد أرجو تحقيقه لي .
ـ لك ذلك يا أخ ماجد .
ـ إن مزينة بل الدكتورة مزينة موجودة الآن في المستشفى وإنني أرجو أن تطلب حضورها لأزف لها خبر موافقتي وموافقة العائلة .
ولم يصدق الدكتور أذنيه وهو يسمع هذا الكلام من ماجد الذي جاء مسلحا ومهددا ثم تنازل عن سلاحه وتراجع عن تهديده ، بل ولقد بلغت به القناعة الحد الأقصى .
اتصل الدكتور صالح بالدكتورة مزينة ولم يخبرها بما حدث بل قال لها إن عنده ضيف يود رؤيتها ولكن لم يتبادر إلى ذهنها أن أخاها ماجد هو ذلك الضيف ، فجاءت إلى مكتب الدكتور صالح وهي بحالة طبيعية ولكنها تساءل نفسها من يا ترى ذلك الضيف الذي لم يرد مقابلتها إلا في مكتب الدكتور ، وخطر ببالها أنه ربما تكون الدكتورة فاطمة صديقتها قد أرادت أن تستمع برؤيتهما معا ، وطرقت الباب، وما هي إلا ثواني وإذ بها وجها لوجه مع شقيقها ماجد يجلس إلى جانب الدكتور فارتجفت وتعثرت قدماها وكادت أن تتراحع لو لم يدعها الدكتور بأن تتفضل قائلا :
ـ تفضلي يا دكتورة هذا هو شقيقك ماجد الذي جاء لنا بنبأ طيب .
ثم وقف ماجد وتقدم من مزينة وهو يبتسم ويمد يده إليها قائلا :
ـ مبروك يا مزينة .
فلم تصدق أذنيها وقالت :
ـ ماذا قلت يا ماجد ؟
ـ قلت مبروك يا أختي أن الدكتور صالح إنسان عظيم يتمتع بخلق وعقل وحكمة واتزان قلما يجده الإنسان في هذه الأيام ، لقد استطاع بحكمته واتزانه اقناعي وسلبي إرادتي بذكائه وفطنته .
فاغرورقت عنيا مزينة هذه المرة بدموع الفرح وقالت :
ـ الحمد الله الذي هدانا ويسر أمرنا وكتب لنا هذه الخاتمة الطيبة .




بقلم : سعد محمد أبوحيمد
سعد ابوحيمد غير متواجد حالياً  
قديم 19-03-2009, 11:15 PM
  #2
سعد الشواطي
مشرف
عالم الصحة والغذاء
 الصورة الرمزية سعد الشواطي
تاريخ التسجيل: Dec 2008
الدولة: الخبر
المشاركات: 6,077
سعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond reputeسعد الشواطي has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

دائما مبدع يابو محمد
__________________
سعد الشواطي غير متواجد حالياً  
قديم 20-03-2009, 12:22 AM
  #3
أبو معتز
.:: شــاعـر ::.
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: الساحل الشرقي
المشاركات: 1,420
أبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond reputeأبو معتز has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

ارحب يا سعد .. مبدع مشكور على الجهد
تقبل تحياتي
أبو معتز غير متواجد حالياً  
قديم 20-03-2009, 11:15 AM
  #4
سعد ابوحيمد
..::قلم من ذهب::.
.:: روائـــــي ::.
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 224
سعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

اشكرك اخى سعد على هذا التعبير الراقى الذى ينم عن معرفة وثقافة زانك من القراء الذين يقرؤن ويفهمون لك خالص تحياتى
اخوك : سعد ابو حيمد
سعد ابوحيمد غير متواجد حالياً  
قديم 20-03-2009, 11:19 AM
  #5
سعد ابوحيمد
..::قلم من ذهب::.
.:: روائـــــي ::.
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 224
سعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

اشكرك اخى ابو معتز ويشرفنى قرائتك لروايتى بنت الا كابر لك خالص تحياتى وتقديرى

اخوك : سعد ابو حيمد
سعد ابوحيمد غير متواجد حالياً  
قديم 23-03-2009, 03:43 PM
  #6
@ابوريان@
مـــراقــــب
 الصورة الرمزية @ابوريان@
تاريخ التسجيل: May 2006
الدولة: السعوديه
المشاركات: 8,783
@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute@ابوريان@ has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

أخي الحبيب / سعد

روعه القصة من روعه كاتبها بارك الله فيك
__________________

أجمل شي في ألانسان قلب صافي يدعو لك
@ابوريان@ غير متواجد حالياً  
قديم 23-03-2009, 07:46 PM
  #7
سعد ابوحيمد
..::قلم من ذهب::.
.:: روائـــــي ::.
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 224
سعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

اشكرك ابا ريان على عبارتك البليغة الموجزة .. وارجو انك قد استمتعت بقراءة الرواية التى اعتبرها جوهرة روا ياتى للمضا مين والر سائل التى تضمنتها .. كما اشكرك مرة اخرى لا نك قد قد اعدتها من الصفحة الثانية الى الصفحة الا ولى وحقيقة لا ادرى لما ذا نقلت الى هناك علما بانه لم يمض على نشرها سوى ثلا ثة ابا م . تحياتى وتقديرى لك ابا ريان
اخوكم : سعد ابو حيمد
سعد ابوحيمد غير متواجد حالياً  
قديم 24-03-2009, 05:45 AM
  #8
سعد الجروي
عضو نشيط
 الصورة الرمزية سعد الجروي
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 300
سعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond reputeسعد الجروي has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

الموضوع جميل.

دمتم سالمين.
__________________
[لا أحد أكبر من أن يستفيد … ولا أحد أقل من أن يفيد … من جهلنا أخطأنا …. ومن أخطائنا نتعلّم
سعد الجروي غير متواجد حالياً  
قديم 25-03-2009, 11:55 AM
  #9
سعد ابوحيمد
..::قلم من ذهب::.
.:: روائـــــي ::.
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 224
سعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond reputeسعد ابوحيمد has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

اخى سعد الجروى اشكرك على عبارتك الطيبة نحو قرائتك لرواية بنت الا كا بر ولك تحياتى
\

اخوك : سعد ابو حيمد
سعد ابوحيمد غير متواجد حالياً  
قديم 26-03-2009, 02:38 AM
  #10
ضرغام
عضو فعال
 الصورة الرمزية ضرغام
تاريخ التسجيل: Jun 2006
الدولة: الرياض
المشاركات: 502
ضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond reputeضرغام has a reputation beyond repute
افتراضي رد : بنت الأكابر

ألاستاذ / سعد

رواية جميلة جدا وعندي ملاحظه بسيطة تتقبلها بصدر رحب

لماذا لاتقسم الرواية لعدة حلقات ويكون الموضوع في ست حلقات أو تخليها سباعية يعني مثل الموضوع هذا لو قسم

على سبع حلقات كل حلقة في موضوع بهاذا يكون مفهومه للقرائه ويكون هناك أشتياق للحلقة المقبلة وجه نظر

ولا أخفي عليك رواية جميلة جدا جدا

بس من الملاحظ أن أغلب الاعضاء في المنتديات مايحبون الكتابة الطويلة


الف شكر يالغالي
__________________
ضرغام غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة الزير سالم كاملة.....؟ ابو سام المجلس الـــــعــــــــام 28 03-04-2008 11:47 PM
زوجات الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عبدالله بن محمد بن مقيت المجلس الـــــعــــــــام 12 12-12-2007 11:22 PM
الشجرة النبويه ونسب خير البريه بونهار العاصمي مجلس الإسلام والحياة 7 13-01-2006 06:25 PM


الساعة الآن 11:33 AM