صور من حياة الصحابه


المجلس الـــــعــــــــام للمواضيع التي ليس لها تصنيف معين

 
قديم 06-03-2007, 04:08 PM
  #1
ناصر السنحاني
عضو ذهبي
 الصورة الرمزية ناصر السنحاني
تاريخ التسجيل: Jan 2007
الدولة: الأمم القحطانيه !!!
المشاركات: 4,659
ناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond reputeناصر السنحاني has a reputation beyond repute
Read صور من حياة الصحابه

][®][^][®][بسم الله الرحمن الرحيم ][®][^][®][1


[frame="1 80"]أبو أيوب الأنصاري
قال أبو أيوب الأنصاري لأمير الجيوش الإسلامية
(اقرأ عني السلام على جنود المسلمين ، وقل لهم : يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى
أبعد غاية ، وأن تحملوه معكم ، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية )


هذا الصحابي الجليل يدعى خالد بن زيد بن كليب من بني النجار ... ولقد رفع الله في الخافقين ذكره ، وأعلى في الأنام قدره حين اختار بيته من دون بيوت المسلمين جميعا لينزل فيه النبي الكريم لما حل في المدينة مهاجرا وحسبه بذلك فخراً .. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغ المدينة تلقته أفئدة أهلها بأكرم ما يتلقى به وافد ، وتطلعت إليه عيونهم تبثه شوق الحبيب إلى حبيبه ، وفتحوا له قلوبهم ليحل منها في السويداء ، وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في قباء من ضواحي المدينة أياما أربعة ، بنى خلالها مسجده الذي هو أول مسجد أسس على التقوى ، ثم خرج منها راكبا ناقته ، فوقف سادات يثرب في طريقها ، كل يريد أن يظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة ، وتظل الناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون وتحف بها القلوب ن وما زالت الناقة على حالها هذه ، والناس يمضون في إثرها ، وهم متلهفون شوقا لمعرفة السعيد المحظوظ حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيوب الأنصاري وبركت فيها ، عند ذلك غمرت الفرحة فؤاد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وبادر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يرحب به ، وحمل متاعه بين يديه ، وكأنما يحمل كنوز الدنيا كلها ومضى به إلى بيته.
كان منزل أبي أيوب يتألف من طبقة فوقها علية ، فأخلى العلية من متاعه ومتاع أهله لينزل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم آثر عليها الطبقة السفلى ، فامتثل أبو أيوب لأمره ، وأنزله حيث أحب ، ولما أقبل الليل ، وأوى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فراشه ، صعد أبو أيوب وزوجه إلى العلية وما إن أغلقا عليهما بابهما حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته وقال :
ويحك ، ماذا صنعنا ، أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ، ونحن أعلى منه ؟! أنمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أنصير بين النبي والوحي ؟! إنا إذا لهالكون ، وسقط في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ما يفعلان .. ولم تسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العلية الذي لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط ، فلما أصبح أبو أيوب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : والله ما أغمض لنا جفن في هذه الليلة لا أنا ولا أم أيوب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ومم ذاك يا أبو أيوب ؟
قال : ذكرت أني على ظهر بيت أنت تحته ، وإني إذا تحركت تناثر عليك الغبار فآذاك ، ثم إني غدوت بينك وبين الوحي ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : هون عليك يا أبا ايوب ، إنه أرفق بنا أن نكون في الأسفل ، لكثرة من يغشانا من الناس .
قال أبو أيوب : فامتثلت لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت جرة لنا واريق ماؤها في العلية ، فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب ، وليس لدينا إلا قطيفة كنا نتخذها لحافا ، وجعلنا ننشف بها الماء خوفا من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الصباح غدوت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت : بأمي أنت وأمي ، إني أكره أن أكون فوقك ، وأن تكون أسفل مني ، ثم قصصت عليه خبر الجرة ، فاستجاب لي ، وصعد إلى العلية ، ونزلت أنا وأم أيوب إلى أسفل .

أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب نحوا من سبعة أشهر ، حتى بناء مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها الناقة ، فانتقل إلى الحجرات التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه ، فغدا جارا لأبي أيوب ، أكرم بهما من متجاورين.

حدث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجرة (نصف النهار) ، إلى المسجد فرأى عمر رضي الله عنه ، فقال : يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟
قال: ما أخرجني إلا ما أجد من شدة الجوع ، فقال عمر : وأنا والله ما أخرجني غير ذلك .. فيبنما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أخرجكما هذه الساعة ؟ قالا : والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من شدة الجوع ، قال عليه السلام : وأنا - والذي نفسي بيده - ما أخرجني غير ذلك ، قوما معي ، فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم طعام ، فإذا أبطأ عنه ولم يأت عليه في حينه أطعمه لأهله ... فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب ، وقالت : مرحبا بنبي الله ومن معه ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أين أبو أيوب ؟ فسمع ابو أيوب صوت النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعمل في نخل قريب له ، فأقبل يسرع وهو يقول : مرحبا برسول الله وبمن معه ، ثم اتبع قائلا : يا نبي الله ليس هذا بالوقت الذي كنت تجيء فيه ، فقال صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فقطع منه عذقا فيه تمر ورطب وبسر .. فقال صلى الله عليه وسلم : ما أردت أن تقطع هذا ، ألا جنيت لنا من تمره ؟ قال : يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره ، ولأذبحن لك أيضا ، قال : إن ذبحت فلا تذبحن ذا لبن ، فأخذ أبو أيوب جديا فذبحه ، ثم قال لأمرأته : اعجني واخبزي لنا ، وأنت أعلم بالخبز ، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه ، وعمد إلى نصفه الثاني فشواه ، فلما نضج الطعام ووضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قطعة من الجدي ووضعها في رغيف وقال : يا أبو أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة ، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ، فلما اكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم : خبز، ولحم ، وتمر، وبسر، ورطب ... ودمعت عيناه ثم قال : والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسالون عنه يوم القيامة ، فإذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا : بسم الله ، فإذا شبعتم فقولوا : الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ..

ولقد عاش أبو أيوب رضي الله عنه طول حياته غازياً ، وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية رضي الله عنه جيشا بقيادة ابنه يزيد ، لفتح القسطنطينية وكان أبو أيوب آنذاك شيخا طاعنا في السن يحبو نحو الثمانين من عمره فلم يمنعه ذلك من أن ينضوي تحت لواء يزيد وان يمخر عباب البحر غازياً في سبيل الله .. لكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال ، فجاء يزيد ليعوده وسأله : ألك من حاجة يا أبا أيوب ؟
فقال : اقرأ عني السلام على جنود المسلمين ، وقل لهم : يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية ، وأن تحملوه معكم ، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية ، ولفظ أنفاسه الطاهرة ..

استجاب جند المسلمين لرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكروا على جند العدو الكرة بعد الكرة حتى بلغوا أسوار القسطنطينة وهم يحملون أبا أيوب معهم .. وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه ..
رحم الله أبا أيوب الأنصاري ، فقد أبى إلا أن يموت على ظهور الجياد الصافنات غازياً في سبيل الله وسنه تقارب الثمانين.

--------------------------------------------------------------------------------[/frame]
[frame="10 80"]أم سلمة

قال لها رسولنا الكريم خاطباً
(أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو الله عز وجل ان يذهبها عنك ، واما ما ذكرت من السن فقد
أصابني مثل الذي أصابك .. وأما ما ذكرت من العيال ، فإنما عيالك عيالي)



أم سلمة ، وما أدراك ما أم سلمة؟ أما أبوها فسيد من سادات مخزوم المرقومين ، وجواد من أجواد العرب المعدودين ، وأما زوجها فعبد الله بن عبد الأسد أحد العشرة السابقين إلى الإسلام.
أسلمت (هند) أم سلمة مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات إلى الإسلام أيضا ، وما إن شاع نبأ إسلام أم سلمة وزوجها حتى هاجت قريش وماجت ، وجعلت تصب عليهما من نكالها ، فلم يضعفا ولم يهنا .. ولما اشتد عليهما الأذى وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة كانا في طليعة المهاجرين ، وعلى الرغم مما لقيته أم سلمة وصحبها من حماية النجاشي نضر الله في الجنة وجهه ، فقد كان الشوق إلى مكة مهبط الوحي ، والحنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد أشواقها وزوجها لهبا.
ثم تتباعت الأخبار على المهاجرين إلى أرض الحبشة بأن المسلمين في مكة قد كثر عددهم ، وأن إسلام حمزة بن عبد المطلب ن وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم قد شد من أزرهم ، وكف شيئا من أذى قريش عنهم ، فعزم فريق منهم على العودة إلى مكة يحدوهم الشوق ويدعوهم الحنين ، فكانت أم سلمة وزوجها في طليعة العائدين ، لكن سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمي إليهم من أخبار كان مبالغا فيه ، ولقد تفنن المشركون في تعذيب المسلمين وترويعهم ، فأذاقوهم من بأسهم ما لاعهد لهم من قبل.
عند ذلك أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة ، فعزمت أم سلمة وزوجها على أن يكونا أول المهاجرين فراراً بدينهما وتخلصا من أذى قريش ، لكن هجرة أم سلمة وزوجها لم تكن سهلة ميسرة لهما ، وإنما كانت شاقة مرة خلفت وراءها مأساة تهون دونها كل مأساة.

تقول أم سلمة : لما عزم أبو سلمة على الخروج إلى المدينة أعد لي بعيراً ، ثم حملني عليه ، وجعل طفلنا سلمة في حجري ، ومضى يقود بنا البعير وهو لا يلوي على شيء ، وقبل أن نفصل عن مكة رآنا رجال من قومي بني مخزوم فتصدوا لنا ، وقالوا لأبي سلمة :
إن كنت قد غلبتنا على نفسك ، فما بال امرأتك هذه ؟ وهي بنتنا ، فعلام نتركك تأخذها منا وتسير بها في البلاد؟ ثم وثبوا عليه وانتزعوني منه انتزاعا ، وما إن رآهم قوم زوجي بنو عبدالأسد يأخذونني أنا وطفلي ، حتى غضبوا أشد الغضب ، وقالوا : لا والله لا نترك الولد عند صاحبتكم بعد أن انتزعتموها من صاحبنا انتزاعا .. فهو ابننا ونحن أولى به ، ثم طفقوا يتجاذبون طفلي سلمة بينهم على مشهد مني حتى خلعوا يده وأخذوه، وفي لحظات وجدت نفسي ممزقة الشمل وحيدة فريدة ، فزوجي اتجه إلى المدينة فرارا بدينه وبنفسه وولدي اختطفه بنو عبد الأسد من بين يدي ، أما أنا فقد استولى علي قومي بنو مخزوم ، وجعلوني عندهم ... ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعة .. ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كل غداة إلى الأبطح ، فأجلس في المكان الذي شهد مأساتي ، وأستعيد صورة اللحظات التي حيل فيها بيني وبين ولدي وزوجي ، وأظل أبكي حتي يخيم علي الليل .. وبقيت على ذلك سنة أو قريبا من سنة إلى أن مر بي رجل من بني عمي فرق لحالي ورحمني وقال لبني قومي : ألا تطلقون هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها . وما زال بهم يستلين قلوبهم ويستدر عطفهم حتى قالوا لي : إلحقي بزوجك إن شئت ..
ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترك ولدي فلذة كبدي في مكة عند بني عبد الأسد؟ ورأى بعض الناس ما أعالج من أحزاني وأشجاني فرقت قلوبهم لحالي ، وكلموا بني عبد الأسد في شأني واستعطفوهم علي فردوا لي ولدي سلمة.
لم أشأ أن أتريث في مكة حتى أجد من أسافر معه ، فقد كنت أخشى أن يحدث ما ليس بالحسبان فيعوقني عن اللحاق بزوجي عائق .. لذلك بادرت فأعددت بعيري ، ووضعت ولدي في حجري ، وخرجت متوجهة نحو المدينة أريد زوجي ، وما معي أحد من خلق الله .. وما أن بلغت (التنعيم) حتى لقيت عثمان بن طلحة (وكان حاجب بيت الله في الجاهلية ، أسلم مع خالد بن الوليد وشهد فتح مكة فدفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة وكان يوم رافق أم سلمة مشركاً فقال : إلى أين يا بنت زاد الركب (يقصد أبوها).
فقلت : أريد زوجي في المدينة .
قال: أوما معك أحد؟
قلت : لا والله إلا الله ثم بني هذا.
قال : والله لا أتركك أبدا حتى تبلغي المدينة ، ثم أخذ بخطام بعيري وانطلق يهوي بي ... فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أكرم منه ولا أشرف : كان إذا بلغ منزلا من المنازل ينيخ بعيري ، ثم يستاخر عني ، حتى إذا بلغ منزلا من المنازل ينيخ بعيري ، ثم يستأخر عني ، حتى إذا نزلت عن ظهره واستويت على الأرض دنا إليه وحط عنه رحله ، واقتاده إلى شجرة وقيده فيها .. ثم يتنحى عني إلى شجرة أخرى فيضطجع في ظلها . فإن حان الرواح قام إلى بعيري فأعده ، وقدمه لي ، ثم يستأخر عني ويقول : اركبي ، فإذا ركبت ن واستويت على البعير ، أتى فأخذ بخطامه وقاده. وما زال يصنع بي مثل ذلك كل يوم حتى بلفنا المدينة ، فلما نظر إلى قرية بقباء لبني عمرو ابن عوف قال : زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
اجتمع الشمل الشتيت بعد طول افتراق ، وقرت عين أم سلمة بزوجها ، وسعد أبو سلمة بصاحبته وولده ثم طفقت الأحداث تمضي سراعا كلمح البصر ، فهذه بدر يشهدها أبو سلمة ويعود منها مع المسلمين ، وقد انتصروا نصرا مؤزرا .. وهذه أحد ، يخوض غمارها بعد بدر ويبلى فيها أحسن البلاء وأكرمه ، لكنه يخرج منها وقد جرح جرحا بليغا ، فما زال يعالجه حتى بدا له أنه قد اندمل ، لكن الجرح كان قد رم على فساد فما لبث أن انتكأ ولزم أبو سلمة الفراش .. وفيما كان ابو سلمة يعالج من جرحه قال لزوجه :
يا أم سلمة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يصيب أحدا مصيبة ، فيسترجع عند ذلك ويقول : اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه ، اللهم أخلفني خيرا منها إلا أعطاه الله عز وجل خيرا منها ..

ظل أبو سلمة على فراش مرضه أياما ، وفي ذات صباح جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعوده ، فلم يكد ينتهي من زياره ويجاوز باب داره ، حتى فارق ابو سلمة الحياة ، فأغمض النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفتين عيني صاحبه ، ورفع طرفه إلى السماء وقال:
اللهم اغفر لأبي سلمة ، وارفع درجته في المقربين .. واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يارب العالمين ، وافسح له في قبره ونور له قبره ، أما أم سلمة فتذكرت ما رواه لها أبو سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :
اللهم عندك احتسب مصيبتي هذه ... لكنها لم تطب نفسها أن تقول : اللهم أخلفني فيها خيرا منها ، لأنها كانت تتساءل ومن عساه أن يكون خيرا من أبي سلمة ؟ لكنها ما لبثت أن أتمت الدعاء ..

حزن المسلمون لمصاب أم سلمة كما لم يحزنوا لمصاب أحد من قبل ، وأطلقوا عليها اسم (أيم العرب) أي المرأة التي فقدت زوجها ، إذ لم يكن لها في المدينة أحد من ذويها غير صبية صغار كزغب القطا.

شعر المهاجرون والأنصار معا بحق أم سلمة عليهم ، فما كادت تنتهي من حدادها على أبي سلمة حتى تقدم منها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبها لنفسه فأبت أن تستجيب لطلبه ، ثم ثقدم منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فردته كما ردت صاحبه ، ثم تقدم منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، إن في خلالا ثلاثا : فأنا امرأة شديدة الغيرة ، فأخاف أن ترى مني شيئا يغضبك فيعذبني الله به , وأنا امرأة قد دخلت في السن (أي جاوزت سن الزواج) ، وانا امرأة ذات عيال .. فقال عليه الصلاة والسلام : أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو الله عز وجل ان يذهبها عنك ، واما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك .. وأما ما ذكرت من العيال ، فإنما عيالك عيالي !!

ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سلمة فاستجاب الله دعاءها ، وأخلفها خيرا من أبي سلمة .. ومنذ ذلك اليوم لم تبق هند المخزومية أما لسلمة وحده ، وإنما غدت أما لجميع المؤمنين .. نضر الله وجه أم سلمة في الجنة ورضي عنها وأرضاها[/frame]



[frame="3 80"]ثمامة بن آثال


قال ثمامة بن آثال رضي الله عنه وأرضاه للحبيب المصطفى
(يا محمــد .. والله ما كــــان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك .... و قـــد أصــــبح
وجهــــك أحب الوجوه كلها إلي ، ووالله ماكان دين أبغــــض إلي من دينك ؛ فأصبح ديــــنك
أحب الدين كله إلي .. ووالله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح أحب البلاد كلها إلي)



في السنة السادسة للهجرة عزم الرسول صلوات الله عليه على أن يوسع نطاق دعوته إلى الله ، فكتب ثمانية كتب إلى ملوك العرب والعجم ، وبعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الاسلام .. وكان في جملة من كاتبهم ثمامة بن أثال الحنفي.
تلقى ثمامة رسالة النبي عليه الصلاة و السلام بالازدراء والإعراض .. وأخذته العزة بالإثم ، فأصم أذنيه عن سماع دعوة الحق و الخير ، ثم أنه ركبه الشيطان فأغراه بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووأد دعوته ، فدأب يتحين الفرص للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصاب منه غرة ، و كادت تتم الجريمة الشنعاء لولا أن أحد أعمام ثمامة ثناه عن عزمه في آخر لحظة ، فنجى الله نبيه من شره .

لكن ثمامة إذا كان قد كف عن رسول الله صلوات الله عليه ؛ فإنه لم يكف عن أصحابه ، حيث جعل يتربص بهم ، حتى ظفر بعدد منهم وقتلهم شر قتلة ، فأهدر النبى عليه الصلات والسلام دمه ، وأعلن ذّلك في أصحابه .

لم يمض على ذّلك طويل وقت حتى عزم ثمامة ابن أثال على أداء العمرة ، فانطلق من أرض اليمامة موليا وجهه شطر مكة ، وهو يمني نفسه بالطواف حوا الكعبة والذبح لأصنامها . وبينما كان ثمامة في بعض طريقه قريبا من المدينة نزلت به نازلة لم تقع له بحسبان ، وذلك أن سرية من سرايا رسول الله صلوات الله عليه ، كانت تجوس خلال الديار خوفا من أن يطرق المدينة طارق ، أو يريدها معتد بشر .. فأسرت السرية ثمامة - وهي لا تعرفه - وأتت به إلى المدينة ، وشدته إلى سارية من سواري المسجد ، منتظرة النبي الكريم أن يقف بنفسه على شأن الاسير ، وأن يأمر فيه بأمره .. ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وهم بالدخول فيه رأى ثمامة مربوطا في السارية ، فقال لأصحابه : أتدرون من أخذتم ؟
فقالوا : لا يارسول الله.
فقال : هذا ثمامة بن أثال الحنفي ، فأحسنوا أساره ، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال ، ثم أمر بناقته أن تحلب له في الغدو والرواح وأن يقدم إليه لبنها ، وقد تم ذلك كله قبل أن يلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم او يكلمه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام وقال : ما عندك يا ثمامة ؟

فقال : عندي يا محمد خير ... فإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال ، فسل تعط منه ما شئت .. فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم يومين على حاله ، يؤتى له بالطعام والشراب ، ويحمل إليه لبن الناقة ثم جاءه ، فقال : ما عندك يا ثمامة؟

قال : ليس عندي إلا ما قلت لك من قبل، فإن تعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما تشاء، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: أطلقوا ثمامة ، ففكوا وثاقه وأطلقوه.

غادر ثمامة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومضى حتى إذا بلغ نخلا من حواشي المدينة فيه ماء أناخ راحلته عنده ، وتطهر من مائه فأحسن طهوره ، ثم عاد أدراجه إلى المسجد ، فما إن بلغ حتى وقف على ملأ من المسلمين وقال : أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم اتجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد .. والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك .... و قد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي ، ووالله ماكان دين أبغض إلي من دينك ؛ فأصبح دينك أحب الدين كله إلي .. ووالله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح أحب البلاد كلها إلي .. ثم أردف قائلا :
لقد كنت أصبت في أصحابك دما فما الذي توجبه علي ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : لا تثريب عليك يا ثمامة ... فإن الإسلام يجب ما قبله ... و بشره بالخير الذي كتبه الله له بإسلامه، فانبسطت أسارير ثمامة وقال :
والله لأصيبن من المشركين أضعاف ما أصبت من أصحابك ، و لأضعن نفسي و سيفي ومن معي في نصرتك ونصرة دينك .. ثم قال : يا رسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى أن أفعل ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : امض لأداء عمرتك و لكن على شرعة الله و رسوله ، وعلمه ما يقوم به من المناسك .

مضى ثمامة إلى غايته حتى إذا بلغ بطن مكة وقف يجلجل بصوته العالي قائلا : لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك لبيك .... إن الحمد و النعمة لك و الملك ... لا شريك لك ..

فكان ثمامة أول مسلم على ظهر الأرض دخل مكة ملبيا .. وسمعت قريش صوت التلبية فهبت مغضبة مذعورة ، و استلت السيوف من أغمادها ، و اتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها . ولما أقبل القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية ، وهو ينظر إليهم بكبرياء ، فهم فتى من فتيان قريش أن يرديه بسهم ، فأخذوا على يديه وقالوا : ويحك أتعلم من هذا ؟ إنه ثمامة بن أثال ملك اليمامة ... و الله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنا الميرة وأماتونا جوعا ، ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إللى أغمادها وقالوا : ما بك يا ثمامة؟!! أصبوت وتركت دينك و دين آباك ؟!!

قال : ما صبوت ولكني تبعت خير دين ... اتبعت دين محمد .. ثم أردف يقول : أقسم برب هذا البيت ، إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها أو شيء من خيراتها حتى تتبع دين محمدا عن آخركم ..
اعتمر ثمامة بن أثال عل مرأى من قريش كما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتمر ، وذبح تقربا لله .. لا للأنصار و الأصنام، ومضى إلى بلاده فأمر قومه أن يحبسوا الميرة عن قريش ، فصدعوا بأمره و استجابوا له ، و حبسوا خيراتهم عن أهل مكة .

أخذ الحصار الذي فرضه ثمامة على قريش يشتد شيئا فشيا ، فارتفعت الأسعار ، وفشى الجوع في الناس واشتد عليهم الكرب ، حتى خافوا على أنفسهم و أبنائهم من أن يهلكوا جوعا .. عند ذلك كتبوا إلى رسول صلى الله عليه وسلم يقولون : إن عهدنا بك أنك تصل الرحمن وتحض على ذلك ... وها أنت قد قطعت أرحامنا ، فقتلت الآباء بالسيف ، و أمت الأبناء بالجوع .. و إن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا و أضر بنا ، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث الينا بما نحتاج إليه فافعل ، فكتب صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم فأطلقها .

ظل ثمامة بن أثال - ما امتدت به الحياة وفيا لدينه ، حافظا لعهد نبيه ، فلما التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، و طفق العرب يخرجون من دين الله زرافات ووحدانا ، و قام مسيلمة الكذاب في بني حنيفة يدعوهم إلى الإيمان به ، وقف ثمامة في وجهه ، وقال لقومه : يا بني حنيفة إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه ، إنه والله لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم ، وبلاء على من لم يأخذ به ، ثم قال :
يا بني حنيفة إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد ، وإن محمدا رسول الله لا نبي بعده ، ولا نبي يشرك معه .. ثم قرأ عليهم :
(حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير) .. ثم قال : أين كلام الله هذا من قول مسيلمة : (يا ضفدع نقي ما تنقين ، لا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين) ثم انحاز بمن بقي على الإسلام من قومه ومضى يقاتل المرتدين جهادا في سبيل الله وإعلاء لكلمته في الأرض ..

جزى الله ثمامة بن أثال عن الإسلام والمسلمين خيراً ، واكرمه بالجنة التي وعد المتقون.[/frame]البراء بن مالك الأنصاري

قال عمر بن الخطاب في البراء بن مالك رضي الله عنهما
(لا تولوا البراء جيشا من جيوش المسلمين مخافة أن يهلك جنده بإقدامه)





كان أشعثاً أغبراً ضئيل الجسم معروق العظم تقتحمه عين رائيه ثم تزور عنه ازورارا، ولكنه مع ذالك ، قتل مائة من المشركين مبارزة وحده ، عدا عن الذين قتلهم في غمار المعارك مع المحاربين ، إنه الكمي الباسل المقدام الذي كتب الفاروق بشأنه إلى عماله في الآفاق : لا تولوا البراء جيشا من جيوش المسلمين مخافة أن يهلك جنده بإقدامه.
إنه البراء بن مالك الأنصاري ، أخو أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وسلم.
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحاقه بالرفيق الأعلى ، طفقت قبائل العرب تخرج من دين الله أفواجا ولم يبق إلا من ثبت الله قلبه على الإيمان.
صمد الصديق رضي الله عنه ، لهذه الفتنة المدمرة العمياء ، صمود الجبال الراسيات ، وجهز من المهاجرين والأنصار أحد عشر جيشا ، وعقد لقادة هذه الجيوش أحد عشر لواء ، ودفع بهم في أرجاء جزيرة العرب ليعيدوا المرتدين إلى سبيل الهدى والحق ، وليحملوا المنحرفين على الجادة بحد السيف.
وكان أقوى المرتدين بأسا ، وأكثرهم عددا ، بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب ، فقد اجتمع لمسيلمة من قومه وحلفائهم أربعون الفا من أشداء المحاربين . وكان أكثر هؤلاء قد اتبعوه عصبية له لا إيمانا به ، فقد كان بعضهم يقول : أشهد أن مسيلمة كذاب ، ومحمدا صادق .. لكن كذاب ربيعة (مسيلمة) ، أحب إلينا من صادق مضر (محمد صلى الله عليه وسلم).
هزم مسيلمة أول جيش خرج إليه من جيوش المسلمين بقيادة عكرمة بن أبي جهل ورده على أعقابه . فأرسل له الصديق جيشا ثانيا بقيادة خالد بن الوليد ، حشد فيه وجوه الصحابة ، من الأنصار والمهاجرين ، وكان في طليعة هؤلاء وهؤلاء البراء بن مالك الأنصاري .
التقى الجيشان على أرض اليمامة في نجد ، فما هو إلا قليل حتى رجحت كفة مسيلمة وأصحابه ، وزلزلت الأرض تحت أقدام جنود المسلمين ، وطفقوا يتراجعون عن مواقفهم ، حتى اقتحم أصحاب مسيلمة فسطاط خالد بن الوليد رضي الله عنه ، واقتلعوه من أصوله ، وكادوا يقتلون زوجته لولا ان أجارها أحد منهم. عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الداهم ، وأدركوا أنهم إن يهزموا امام مسيلمة فلن تقوم للإسلام قائمة بعد اليوم ، ولن يعبد الله وحده لا شريك له في جزيرة العرب . وهب خالد إلى جيشه ، فأعاد تنظيمه ، حيث ميز المهاجرين عن الأنصار ، وميزأبناء البوادي عن هؤلاء وهؤلاء ، وجمع أبناء كل أب تحت راية واحد منهم ، ليعرف بلاء كل فريق في المعركة ، وليعلم من أين يؤتى المسلمين.
ودارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم تعرف حروب المسلمين لها نظيرا من قبل ، وثبت قوم مسيلمة في ساحات الوغى ثبات الجبال الراسيات ولم يأبهوا لكثرة ما أصابهم من القتل . وأبدى المسلمون من خوارق البطولات ما لو جمع لكان ملحمة من روائع الملاحم. ولكن كل هذه البطولات تتضاءل أمام بطولة البراء بن مالك رضي الله عنه وعنهم أجمعين. ذلك أن خالدا حين رأى وطيس المعركة يحمى ويشتد ، التفت إلى البراء بن مالك وقال : إليهم يا فتى الأنصار ... فالتفت البراء إلى قومه وقال :
يا معشر الأنصار لا يفكرن أحد منكم بالرجوع إلى المدينة ، فلا مدينة لكم اليوم ، وإنما هو الله وحده ... ثم الجنة .. ثم حمل على المشركين وحملوا معه ، وانبرى يشق الصفوف ، ويعمل السيف في رقاب أعداء الله حتى زلزلت أقدام مسيلمة وأصحابه ، فلجأوا إلى حديقة التي عرفت في التاريخ بعد ذلك باسم حديقة الموت لكثرة من قتل فيها في ذلك اليوم.

كانت حديقة الموت هذه رحبة الأرجاء عالية الجدران ، فأغلق مسيلمة والآلاف المؤلفة جنده عليهم أبوابها ، وتحصنوا بعالي جدرانها ، وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها فتتساقط عليهم تساقط المطر. عند ذلك تقدم مغوار المسلمين الباسل البراء بن مالك وقال : يا قوم ، ضعوني على ترس ، وارفعوا الترس على الرماح ، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريبا من بابها ، فإما أن أستشهد وإما أن أفتح لكم الباب ..
وفي لمح البصر جلس البراء بن مالك على ترس فقد كان ضئيل الجسم نحيله ، ورفعته عشرات الرماح فألقته في حديقة الموت بين الآلاف المؤلفة من جند مسيلمة ، فنزل عليهم نزول الصاعقة ، وما زال يجالدهم أمام باب الحديقة ، ويعمل في رقابهم السيف حتى قتل عشرة منهم وفتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم أو ضربة بسيف ... فتدفق المسلمون على حديقة الموت، من حيطانها وأبوابها وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين اللائذين بجدرانها حتى قتلوا منهم قريبا من عشرين الفا ووصلوا إلى مسيلمة فأردوه صريعا.
حمل البراء بن مالك إلى رحله ليداوى فيه ، وأقام عليه خالد بن الوليد شهرا يعالجه من جراحه حتى أذن الله له بالشفاء ، وكتب لجند المسلمين على يديه النصر.
ظل البراء بن مالك يتوق إلى الشهادة التي فاتته يوم حديقة الموت ، وطفق يخوض المعارك واحدة بعد الأخرى شوقا إلى تحقيق أمنيته الكبرى وحنينا إلى اللحاق بنبيه الكريم ، حتى كان يوم فتح (تستر) من بلاد فارس ، فقد تحصن الفرس في إحدى القلاع الممردة ، فحاصرهم المسلمون وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم فلما طال الحصار واشتد البلاء على الفرس ، جعلوا يدلون من فوق أسوار القلعة سلاسل من حديد ، علقت بها كلابيب من فولاذ حميت بالنار حتى غدت أشد توهجا من الجمر فكانت تنشب في أجساد المسلمين وتعلق بها ، فيرفعونهم إليهم إما موتى وإما على وشك الموت.
فعلق كلاب منها بأنس بن مالك أخي البراء بن مالك ، فما إن رآه حتى وثب على جدار الحصن ، وأمسك بالسلسلة التي تحمل أخاه ، وجعل يعالج الكلاب ليخرجه من جسده فأخذت يده تحترق وتدخن ، فلم يأبه لها حتى أنقذ أخاه ، وهبط إلى الأرض بعد أن غدت يده عظاما ليس عليها لحم.
في هذه المعركة دعا البراء بن مالك الأنصاري الله أن يرزقه الشهادة ، فأجاب الله دعاءه ، حيث خر صريعا شهيدا مغتبطا بلقاء الله .
نظر الله وجه البراء بن مالك في الجنة ، وأقر عينه بصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنه وأرضاه






[frame="5 80"]عمير بن وهب الجمحي

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عمير بن وهب
(هو اليوم أحب إلي من بعض أبنائي )





عاد عمير بن وهب الجمحي من بدر ناجيا بنفسه ، لكنه خلف وراءه ابنه (وهبا) أسيرا في أيدي المسلمين .. وقد كان عميرا يخشى أن يأخذ المسلمون الفتى بجريرة أبيه ، وأن يسوموه سوء العذاب جزاء ما كان ينزل برسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ، ولقاء ما كان يلحق بأصحابه من النكال. وفي ذات ضحى توجه عمير إلى المسجد للطواف بالكعبة والتبرك بأصنامها ، فوجد صفوان بن أمية جالسا إلى جانب الحجر ، فأقبل عليه وقال : عم صباحا يا سيد قريش .
فقال صفوان : عم صباحا يا أبا وهب ، اجلس نتحدث ساعة فإنما يقطع الوقت بالحديث ..
فجلس عمير بإزاء صفوان بن أمية ، وطفق الرجلان يتذاكران بدرا ، ومصابها العظيم ، ويعددان الأسرى الذين وقعوا في أيدي محمد وأصحابه ، ويتفجعان على عظماء قريش ممن قتلتهم سيوف المسلمين . فتنهد صفوان بن أمية وقال : ليس - والله - في العيش خير بعدهم ، فقال عمير : صدقت والله ، ثم سكت قليلا ، وقال : ورب الكعبة لولا ديون علي ليس عندي ما أقضيها به ، وعيال أخشى عليهم الضياع من بعدي ، لمضيت إلى محمد وقتلته ، وحسمت امره ، وكففت شره ، ثم أتبع يقول بصوت خافت : وإن في وجود ابني وهب لديهم ما يجعل ذهابي إلى يثرب أمرا لا يثير الشبهات.
اغتنم صفوان بن أمية كلام عمير بن وهب ولم يشأ أن يفوت هذه الفرصة ، فالتفت إليه وقال : يا عمير ، اجعل دينك كله علي ، فأنا أقضيه عنك مهما بلغ ... وأما عيالك فسأضمهم إلى عيالي ما امتدت بي وبهم الحياة ... وإني في مالي من الكثرة ما يسعهم جميعا ويكفل لهم العيش الغريد .. فقال عمير : إذا ، اكتم حديثنا هذا ولا تطلع عليه أحدا !!
أمر عمير بن وهب بسيفه فشحذ وسقي سماً ، ودعا براحلته فأعدت وقدمت له ، فامتطى متنها .. بلغ عمير المدينة ومضى نحو المسجد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غدا قريبا من بابه أناخ راحلته ونزل عنها.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالسا مع بعض الصحابة قريبا من باب المسجد ، يتذاكرون بدرا وما أكرمهم الله به من نصر ، فحانت من عمر التفاتة فرأى عمير بن وهب ينزل عن راحلته ، ويمضي نحو المسجد متوحشا سيفه ، فهب مذعورا وقال :
هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ... والله ما جاء إلا لشر ، لقد أثار المشركين علينا في مكة ، وكان عينا لهم علينا قبيل بدر ثم قال لجلسائه : امضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونوا حوله ، واحذروا أن يغدر به هذا الخبيث الماكر. ثم بادر عمر إلى النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوحشا سيفه ، وما أظنه إلا يريد شرا، فقال عليه السلام : أدخله علي .
فأقبل الفاروق على عمير بن وهب وأخذ بتلابيبه ، وطوق عنقه بحمالة سيفه ، ومضى به نحو الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال ، قال لعمر :
أطلقه يا عمر ، فأطلقه ، ثم قال له : استأخر عنه ، فتأخر عنه ، ثم توجه إلى عمير بن وهب وقال : ادن يا عمير ، فدنا وقال : انعم صباحا ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، لقد أكرمنا الله بالسلام ، وهو تحية أهل الجنة ، فقال عمير : والله ما أنت ببعيد عن تحيتنا ، وإنك بها لحديث عهد .
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : وما الذي جاء بك يا عمير ؟!
قال : جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا إلي فيه .
قال : فما بال السيف الذي في عنقك ؟! قال : قبحها الله من سيوف ... وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟!!
قال : اصدقني ، ما الذي جئت له يا عمير ؟ قال : ما جئت إلا لذاك .
قال : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية عند الحجر ، فتذاكرتما أصحاب القليب من صرعى قريش ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ... فتحمل لك صفوان بن أمية دينك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائل بيني وبين ذالك.
فذهل عمير لحظة ، ثم ما لبث أن قال : أشهد أنك لرسول الله ، ثم أردف يقول : لقد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، لكن خبري مع صفوان بن أمية لم يعلم به أحد إلا أنا وهو... والله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقا ، ليهديني إلى الإسلام ... ثم شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : فقهوا أخاكم في دينه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا أسيره .
فرح المسلمون بإسلام عمير بن وهب أشد الفرح ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال لخنزير كان أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو اليوم أحب إلي من بعض أبنائي .. وفيما كان عمير يزكي نفسه بتعاليم الإسلام ، ويحيا أروع أيام حياته وأغناها ، كان صفوان بن أمية يمني نفسه الأماني ، ويمر بأندية قريش فيقول : أبشروا بنبأ عظيم يأتيكم قريبا فينسيكم وقعة بدر. ثم إنه لما طال الإنتظار على صفوان بن أمية ، أخذ القلق يتسرب إلى نفسه شيئا فشيئا ، حتى غدا يتقلب على أحر من الجمر ، وطفق يسأل الركبان عن عمير بن وهب فلا يجد عند أحد جوابا يشفيه إلى أن جاءه راكب فقال : إن عميرا قد أسلم ... فنزل عليه الخبر نزول الصاعقة .. إذ كان يظن أن عمير بن وهب لا يسلم ولو أسلم جميع من على ظهر الأرض.
أما عمير بن وهب فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله لقد غبر علي زمان وأنا دائب على اطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الإسلام ، وأنا أحب أن تأذن لي بأن أقدم على مكة لأدعو قريشا إلى الله ورسوله ، فإن قبلوا مني فنعم ما فعلوا ، وإن أعرضوا آذيتهم في دينهم كما كنت اوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم ، فوافى مكة ، وأتى بيت صفوان بن أمية وقال : يا صفوان ، إنك لسيد من سادات مكة ، وعاقل من عقلاء قريش ، أفترى أن هذا الذي أنتم عليه من عبادة الأحجار والذبح لها يصح في العقل أن يكون دينا ؟! أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
أجزل الله مثوبة عمير بن وهب ، ونور له في قبره.[/frame]
6
[frame="7 80"]عبد الله بن حذافة السهمي


قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة .. وأنا أبدأ بذلك)



لقد كان في وسع التاريخ أن يمر بهذا الرجل كما مر بملايين العرب من قبله دون أن يأبه لهم أو يخطروا له على بال ، لكن الإسلام العظيم أتاح لعبدالله بن حذافة السهمي أن يلقى سيدي الدنيا في زمانه : كسرى ملك الفرس ، و قيصر عظيم الروم ، وأن تكون له مع كل منهما قصة ما تزال تعيها ذاكرة الدهر و يروها لسان التاريخ .
أما قصته مع كسرى ملك الفرس فكانت في السنة السادسة للهجرة حين عزم النبي صلى الله عليه و سلم أن يبعث طائفة من أصحابه بكتب إلى ملوك الأعجام يدعهم فيها إلى الإسلام .
انتدب عليه الصلاة والسلام ستة من الصحابة ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم ، و كان أحد هؤلاء الستة عبدالله بن حذافة السهمي ، فقد اختير لحمل رسالة النبي صلوات الله عليه إلى كسرى ملك الفرس .
جهز عبد الله بن حذافة راحلته ، وودع صاحبته وولده ، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد و تحطه الوهاد ؛ وحيدا فريدا ليس معه إلا الله ، حتى بلغ ديار فارس ، فاستأذن بالدخول على ملكها ، وأخطر الحاشية بالرسالة التي يحملها له .. عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزين ، ودعا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا ، ثم أذن لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه .

دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس مرتديا شملته الرقيقة ، مرتديا عباءته الصفيقة ، عليه بساطة العراب ، لكنه كان عالي الهامة ، مشدود القامة تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام ، وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان .. فما إن رآه كسرى مقبلا حتى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده فقال :
لا ، إنما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدفعه لك يدا بيد وأنا لا أخالف أمرا لرسول الله .. فقال كسرى لرجاله : اتركوه يدنو مني ، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده ، ثم دعا كسرى كاتبا عربيا من أهل الحيرة وأمره أن يفض الكتاب بين يديه ، وأن يقرأه عليه فإذا فيه :

" بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى ....."

فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار حتى اشتعلت نار الغضب في صدره ، فاحمر وجهه ، وانتفخت أوداجه لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه ... فجذب الرسالة من يد كاتبه وجعل يمزقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح : أيكتب لي بهذا ، وهو عبدي؟!! ثم أمر بعبد الله بن حذافة أن يخرج من مجلسه فأخرج.
خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى وهو لا يدري ما يفعل الله له ... أيقتل أم يترك حرا طليقا ؟ لكنه ما لبث أن قال : والله ما أبالي على أي حال أكون بعد أن أديت كتاب رسول الله الله صلى الله عليه وسلم ، وركب راحلته وانطلق . ولما سكت عن كسرى الغضب ، أمر بأن يدخل عليه عبد الله فلم يوجد.
فلما قدم عبد الله على النبي الله صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه الكتاب ، فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال :" مزق الله ملكه".
أما كسرى فقد كتب إلى (باذان ) نائبه على اليمن : أن ابعث إلى هذا الرجل الذي ظهر بالحجاز رجلين جلدين من عندك ، ومرهما أن يأتياني به .. فبعث (باذان) رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله الله صلى الله عليه وسلم ، وحملهما رسالة له ، يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كسرى دون ابطاء.
خرج الرجلان يغذان السير حتى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ، ودفعا إليه رسالة (باذان) وقالا له :
إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا (باذان) أن يبعث إليك من يأتيه بك ... وقد أتيناك اتنطلق معنا إليه ، فإن أجبتنا كلمنا كسرى بما ينفعك ويكف أذاه عنك ، وإن أبيت فهو من قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك وإهلاك قومك .. فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهما : ارجعا إلى رحالكما اليوم وأتيا غدا .. فلما غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي ، قالا له : هل أعددت نفسك للمضي معنا إلى لقاء كسرى ؟ فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : لن تلقيا كسرى بعد اليوم .. فلقد قتله الله ، حيث سلط عليه ابنه (شيرويه) في ليلة كذا من شهر كذا .. فحدقا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وبدت الدهشة على وجهيهما ، وقالا : أتدري ما تقول ؟! أنكتب بذلك (لباذان) ؟! قال : نعم ، وقولا له : إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى ، وإنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك .
خرج الرجلان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وقدما على ( باذان) وأخبراه الخبر ، فقال : لئن كان ما قاله محمد حقا فهو نبي ، وإن لم يكن كذلك فسنرى فيه رأيا .. فلم يلبث أن قدم على (باذان) كتاب (شيرويه) وفيه يقول :
أما بعد فقد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا انتقاما لقومنا ، فقد استحل قتل أشرافهم و سبي نسائهم وانتهاب أموالهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن عندك . فما إن قرأ (باذان) كتاب (شيرويه) حتى طرحه جانبا وأعلن دخوله في الإسلام ، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن .
وفي السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا لحرب الروم فيه عبد الله بن حذافة وكان قيصر الروم قد تناهت إليه أخبار المسلمين وما يتحلون به من صدق الإيمان واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله ، فأمر رجاله إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين أن يبقوا عليه وأن يأتو به حيا .. وكان عبد الله بن حذافة ممن وقع في الأسر.
نظر ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة طويلا ثم بادره قائلا : إني أعرض عليك أمراً !!
قال : وما هو ؟
فقال : أعرض عليك أن تتنصر ... فإن فعلت خليت سبيلك ، وأكرمت مثواك ، فقال الأسير في أنفة وحزم : هيهات .. إن الموت لأحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه.
فقال قيصر : إني لأراك رجلا شهما ... فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك أشركتك في أمري وقاسمتك سلطاني . فتبسم الأسير المكبل بقيوده وقال : والله لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت.
قال : إذن أقتلك.
قال : أنت وما تريد ، ثم أمر به فصلب ، وقال لقناصته - بالرومية - ارموه قريبا من رجليه ، وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى.
عند ذلك أمرهم أن يكفوا عنه ، وطلب إليهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب ، ثم دعا بقدر عظيمة فصب فيها الزيت ورفعت على النار حتى غلت ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين ، فأمر بأحدهما أن يلقى فيها فألقي ، فإذا لحمه يتفتت ، وإذا عظامه تبدو عارية...
ثم التفت إلى عبد الله بن حذافة ودعاه إلى النصرانية ، فكان أشد إباء لها من قبل.
فلما يأس منه ، أمر به أن يلقى في القدر التي ألقي فيها صاحباه فلما ذهب به دمعت عيناه ، فقال رجال قيصر لملكهم : إنه قد بكى ... فظن أنه قد جزع وقال : ردوه إلي ، فلما مثل بين يديه عرض عليه النصرانية فأبى ، فقال : ويحك ، فما الذي أبكاك إذا؟!
فقال : أبكاني أني قلت في نفسي : تلقى الآن في هذه القدر ، فتذهب بنفسك ، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس فتلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله .
فقال الطاغية : هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟
فقال له عبد الله : وعن جميع أسارى المسلمين أيضا ؟
قال : وعن جميع أسارى المسلمين أيضا.
قال عبد الله : فقلت في نفسي : عدو من اعداء الله ، أقبل رأسه فيخلي عني وعن أسارى المسلمين جميعا ، لا ضير في ذلك علي. ثم دنا منه وقبل رأسه ، فأمر ملك الروم أن يجمعوا له أسارى المسلمين ، وأن يدفعوهم إليه فدفعوا له.
قدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأخبره خبره ، فسر به الفاروق أعظم السرور ، ولما نظر إلى الأسرى قال : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة .. وأنا أبدأ بذلك...
ثم قام وقبل رأسه ...[/frame]
__________________



تــــــحـــــيـــــاتـــــي لــــلـــــشـــــعـــــب الـــــســـــعـــــودي



ناصر السنحاني غير متواجد حالياً  
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل تعرف صدام الحقيقي ؟ أبوسالم المجلس الـــــعــــــــام 22 19-07-2008 06:29 AM
قصة الزير سالم كاملة.....؟ ابو سام المجلس الـــــعــــــــام 28 03-04-2008 11:47 PM
فتاوى السحر والعين للامام ابن باز رحمه الله تعالى ابو اسامة مجلس الإسلام والحياة 11 26-03-2008 12:23 AM
مواطن عبس وذبيان أصحاب داحس والغبراء أبو عامرية المجلس الـــــعــــــــام 24 14-03-2008 02:53 PM


الساعة الآن 11:15 AM

سناب المشاهير